هل تعيد الحرب والتوترات المرتبطة بإيران رسم خريطة تدفقات رؤوس الأموال العالمية؟

مع تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب في إيران، عادت المخاوف القديمة إلى الواجهة في الأسواق المالية العالمية، وتوجهت الأنظار نحو هروب رؤوس الأموال من مناطق النزاع إلى الملاذات الآمنة، ويثير هذا التطور تساؤلات عميقة حول مصير تريليونات الدولارات من الاستثمارات السيادية الخليجية، ومدى قدرة أسواق المال العالمية على امتصاص أي تحولات مفاجئة في تدفقات الاستثمار.

ووفق تقرير نشره موقع لوغوز برس، فإن أي تغير في ستراتيجيات الاستثمار لدى صناديق الثروة السيادية في الخليج قد يترك آثاراً واسعة النطاق على النظام المالي العالمي، نظراً لحجم الأصول الضخم الذي تديره هذه الصناديق.

تريليونات الدولارات قوة تحرك العالم

تمتلك دول الخليج العربي بعضاً من أكبر صناديق الثروة السيادية في العالم، وهي صناديق تلعب دوراً محورياً في تمويل الشركات الكبرى والبنية التحتية والأسواق المالية الدولية. وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن هذه الصناديق تدير مجتمعة عدة تريليونات من الدولارات، ما يجعل أي تعديل في سياساتها الاستثمارية عاملاً مؤثراً في حركة رأس المال العالمية.

المال يهرب من المخاطر

في أوقات الأزمات الجيوسياسية، يتجه المستثمرون عادة إلى الأسواق الأكثر عمقاً وسيولة واستقراراً. ولهذا السبب تظل الولايات المتحدة الوجهة الأكثر احتمالاً لأي إعادة توجيه محتملة لرؤوس الأموال.

فقد أعلنت الإمارات العربية المتحدة سابقاً عن خطط لاستثمار ما يصل إلى 1.4 تريليون دولار في الاقتصاد الأميركي، بينما تخطط قطر لاستثمار نحو 500 مليار دولار خلال العقد المقبل في الولايات المتحدة.

ويعزز هذا التوجه الدور التاريخي للدولار كعملة ملاذ آمن. وفي هذا السياق، قال نائب محافظ بنك الاحتياطي الأسترالي أندرو هاوزر إن الدولار ما يزال يظهر “استقراراً كعملة وقائية في أوقات عدم اليقين”، وفق تصريحات نقلتها وكالة رويترز.

أسواق العالم تراقب بحذر

على الرغم من خطورة السيناريوهات المطروحة، تشير البيانات الحالية إلى أن الأسواق المالية العالمية لم تظهر حتى الآن رد فعل حاداً تجاه التطورات المرتبطة بالحرب.

وفي هذا السياق، قال الرئيس التنفيذي لبنك Goldman Sachs ديفيد سلومون خلال قمة استثمارية في سيدني إن رد فعل الأسواق كان هادئاً بشكل مفاجئ حتى الآن، وفق ما نقلته صحيفة New York Postنيويورك بوست.

ويرى محللون أن المستثمرين لا يغيرون ستراتيجياتهم عادة إلا عندما يبدأ الصراع في التأثير المباشر على النمو الاقتصادي العالمي أو على سلاسل الطاقة والتجارة الدولية.

هل تبدأ موجة “نزوح مالي” صامت؟

رغم غياب الأدلة القاطعة على حدوث هروب واسع لرأس المال من الخليج، فإن بعض المؤشرات قد تلمح إلى تحولات تدريجية في سلوك المستثمرين، من أبرزها زيادة الطلب على السندات الأمريكية، ارتفاع حصة الأصول السائلة في المحافظ الاستثمارية، بالإضافة الى تأجيل الاستثمارات طويلة الأجل في مناطق التوتر.

ويؤكد خبراء الاقتصاد أن النظام المالي الخليجي منخرط بعمق في الأسواق العالمية، ما يسمح لصناديقه السيادية بإعادة هيكلة استثماراتها بسرعة إذا اقتضت الظروف.

الخليج بين الاستقرار والمخاطر

رغم قرب دول الخليج جغرافياً من بؤرة التوتر، فإن اقتصاداتها تتمتع بعدة عوامل تقلل من حدة التأثير، أبرزها الاحتياطيات المالية الضخمة لدى الحكومات، تنوع الاستثمارات الخارجية عبر صناديق الثروة السيادية، بالإضافة الى قوة القطاع المصرفي والسيولة في الأسواق المالية. لكن في المقابل، تبقى المنطقة حساسة لأي اضطرابات قد تؤثر في أسواق الطاقة أو خطوط الملاحة في الخليج، وهو ما قد ينعكس بدوره على الاستثمارات العالمية.

وتشير تقارير لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي إلى أن منطقة الخليج أصبحت خلال العقد الأخير أحد أكبر مصادر رأس المال الاستثماري العالمي، ما يجعل استقرارها المالي عاملاً حاسماً في توازن الأسواق الدولية.

تدفقات المال العالمية

ويرى محللون أن العامل الحاسم في المرحلة المقبلة سيكون قرارات لجان الاستثمار في الصناديق السيادية الخليجية، ففي عالم تديره تريليونات الدولارات، قد يؤدي قرار استثماري واحد إلى إعادة توجيه تدفقات مالية هائلة بين الأسواق.

ولهذا السبب تتابع كبرى البنوك الاستثمارية حالياً مؤشرين رئيسيين هما حجم التدفقات الى السندات الأميركية والاستثمارات الجديدة في صناديق الشرق الأوسط، وفي حال تسارعت هذه المؤشرات، فقد يتحول الحديث عن “هروب رأس المال” من مجرد فرضية إلى واقع جديد يعيد تشكيل المشهد المالي العالمي.

كيف تفاعلت البورصات العالمية مع الحروب؟ 

قالت تقارير صادرة عن بنك غولدمان ساكس ووكالتي الانباء رويترز وأسوشيتد برس ان التجارب التاريخية تشير إلى أن الأسواق المالية غالباً ما تمر بثلاث مراحل عند اندلاع الحروب وهي هبوط أولي بسبب الخوف، ثم مرحلة تذبذب، ثم تعافٍ تدريجي عندما تتضح ملامح الصراع

وتظهر بيانات الأسواق العالمية عدة أمثلة بارزة:

> خلال حرب الخليج 1990 بعد غزو الكويت، تراجع مؤشر S&P 500 بنحو 16% بين يوليو وأكتوبر 1990 نتيجة صدمة النفط ومخاوف الركود، قبل أن يتعافى بقوة ويرتفع بنحو 26% خلال عام 1991.

● عند اندلاع حرب العراق عام 2003 ارتفعت الأسهم الأميركية لاحقاً، لينهي المؤشر العام نفسه بمكاسب تقارب 26% بعد انحسار حالة عدم اليقين.

● بعد الهجوم على بيرل هاربر عام 1941 تراجعت الأسواق الأميركية بنحو 3.8% في اليوم الأول ووصل التراجع لاحقاً إلى نحو 19.8% قبل التعافي.

● في الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022 انخفضت الأسواق العالمية في البداية بنحو 6–7% قبل أن تستعيد جزءاً كبيراً من خسائرها خلال أسابيع.

● تشير دراسات استثمارية إلى أن متوسط التراجع في الأسواق العالمية أثناء الأحداث العسكرية الكبرى يبلغ نحو 4–6% فقط قبل أن تبدأ مرحلة التعافي.

النفط… مؤشر الحروب الحساس 

يعد النفط أول الأسواق تأثراً بأي صراع في الشرق الأوسط، نظراً لأن المنطقة تنتج نحو ثلث إمدادات النفط العالمية وتتحكم بممرات بحرية ستراتيجية مثل مضيق هرمز، وتكشف البيانات التاريخية عن قفزات حادة في الأسعار أثناء الحروب:

● خلال حرب الخليج 1990–1991 ارتفع من 17 إلى 41 دولاراً للبرميل بزيادة141%.

● في حرب العراق 2003 صعد النفط من نحو 25 دولاراً إلى 35 دولاراً بزيادة تقارب 40%.

● خلال الأزمة الليبية 2011 ارتفع النفط من 95 إلى 125 دولاراً للبرميل.

● بعد الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022 قفز النفط من 75 دولاراً إلى 130 دولاراً للبرميل.

الاقتصاد العالمي في اختبار جديد

يركز المستثمرون حالياً على ثلاثة مؤشرات رئيسية لتقييم تداعيات الحرب وهي أسعار النفط واحتمالات تجاوزها 110 أو 120 دولاراً واو ربما أكثر، تدفقات الاستثمار نحو الدولار والسندات الأميركية باعتبارها ملاذاً آمناً، فضلا عن أداء بورصات الخليج وأسواق الطاقة باعتبارها الأكثر ارتباطاً بالحدث. ورغم المخاوف، يشير التاريخ إلى أن الأسواق المالية غالباً ما تتكيف مع الصراعات بسرعة، حيث تميل إلى التعافي بعد انحسار حالة عدم اليقين وعودة المستثمرين إلى تقييم الأساسيات الاقتصادية.

اخبار الكويت ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة الكويتية و الخليجية و العربية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة.

اخبار تهمك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *