تخطَّ إلى المحتوى
الخميس 22 أكتوبر 202611 جمادى الأولى 1448 هـ04:35 الكويت29° صحود.ك = 3.228 $
  1. الفجر04:34
  2. الشروق05:54
  3. الظهر11:33
  4. العصر14:46
  5. المغرب17:11
  6. العشاء18:28
15خبراً اليوم
22 أكتوبر 2026

أخبار الكويت و الخليج و العالم

الشريط

قانون التحكيم الكويتي الجديد: إطار موحد لتسوية المنازعات التجارية

قانون التحكيم الكويتي الجديد: إطار موحد لتسوية المنازعات التجارية

لم يعد تقييم كفاءة البيئة القانونية للأعمال قاصراً على جودة القوانين المنظمة للاستثمار والعقود، بل أصبح يشمل أيضاً القدرة على البت في النزاعات التجارية في زمن معقول، بخطوات واضحة، وحكم قابل للنفاذ الفعلي. وفي هذا الإطار، يبرز دور المرسوم بقانون رقم 120 لسنة 2026 الصادر بإصدار قانون التحكيم، الذي نُشر في الجريدة الرسمية “الكويت اليوم” بتاريخ 18 أكتوبر 2026. ويعيد هذا القانون تنظيم منظومة التحكيم في الكويت ضمن تشريع مستقل يضم 108 مواد، بعد أن كانت أحكامه موزعة بين قانون المرافعات المدنية والتجارية وقانون التحكيم القضائي رقم 11 لسنة 1995.

غير أن أهمية القانون لا تقتصر على عدد نصوصه، بل تنبع من الإجابة عن سؤال عملي يمس الشركات والمستثمرين مباشرة: هل وفَّر القانون الجديد مساراً أكثر سرعة ووضوحاً وفاعلية لحسم المنازعات التجارية في الكويت؟ الإجابة لا تتمحور حول مادة واحدة، بل تتطلب قراءة القانون برمته باعتباره منظومة متكاملة تبدأ من الاتفاق على التحكيم، مروراً بتشكيل هيئة التحكيم والتدابير العاجلة والإجراءات الرقمية، وصولاً إلى الحكم ومسائل البطلان والتنفيذ.

إطار تشريعي واحد ومرونة في الإثبات

ألغى قانون الإصدار الأحكام السابقة المتعلقة بالتحكيم الواردة في قانون المرافعات، وكذلك القانون رقم 11 لسنة 1995، على أن يبقى قانون المرافعات شريعة عامة مكملة فيما لم يرد فيه نص خاص في القانون الجديد، وبما لا يتعارض مع أحكامه. ولا يعد هذا التحول مجرد إعادة ترتيب أو ترقيم للنصوص، بل يستهدف إخضاع دورة التحكيم، منذ الاتفاق عليه وحتى تنفيذ الحكم، لإطار تشريعي واحد يقلل التداخل بين الأنظمة والإجراءات المختلفة. ويظهر التحديث أيضاً في شكل اتفاق التحكيم نفسه. فقد وسعت المادة 5 مفهوم الكتابة، وأدرجت المراسلات الإلكترونية ضمن وسائل إثبات الاتفاق، بينما أكدت المادة 8 استقلالية اتفاق التحكيم عن العقد الأصلي، بحيث لا يؤدي بطلان العقد الأصلي أو فسخه أو إنهاؤه بذاته إلى سقوط اتفاق التحكيم إذا كان الأخير صحيحاً في ذاته. وهنا ينبغي التمييز بين استحداث قاعدة جديدة وبين تقنين قاعدة معروفة بشكل أكثر وضوحاً. فاستقلال شرط التحكيم والمرونة في إثباته من المبادئ المألوفة في قوانين التحكيم الحديثة، لكن أهميتهما في القانون الجديد تكمن في إدراجهما صراحة ضمن منظومة تشريعية واحدة.

آليات التسريع والرقمنة

السؤال الأكثر إلحاحاً لقطاع الأعمال هو: هل سيصبح التحكيم أسرع فعلاً؟ لقد حدد القانون آجالاً معينة لعدد من الإجراءات التي يمكن أن تشكل نقاط تعطيل في الخصومة. فالمادة 15 تضبط إجراءات اختيار المحكمين والفصل في طلب التعيين بمدد محددة، كما أن طلب رد المحكم لا يؤدي بذاته إلى وقف سير التحكيم وفقاً للتنظيم الوارد في المادة 18. وأجازت المادة 39 عقد الجلسات والمداولات عبر وسائل الاتصال الحديثة وتبادل المذكرات والمستندات إلكترونياً. كما قرر القانون، في حال عدم اتفاق الأطراف على مدة أخرى، أن يصدر الحكم خلال اثني عشر شهراً من اكتمال تشكيل هيئة التحكيم، مع إمكانية التمديد وفق ضوابط محددة، وقيد دعوى البطلان بمواعيد معينة، وألزم محكمة الاستئناف بالفصل فيها خلال مدة لا تتجاوز ستة أشهر. ومع ذلك، لا يعني وجود هذه المواعيد أن كل نزاع تحكيمي سيكون سريعاً تلقائياً. فالمدة الفعلية تظل مرتبطة بطبيعة النزاع وتعقيداته، وحجم المستندات، والخبرة الفنية المطلوبة، وكفاءة إدارة ملف القضية، وسلوك الأطراف. لذلك، لا يضمن القانون سرعة كل تحكيم، لكنه يوفر أدوات تشريعية للحد من مساحات التأخير الإجرائي.

من أبرز الملامح الجديدة في القانون تنظيم محكم الإجراءات الوقتية والتحفظية في المواد من 41 إلى 45. وتبرز أهمية هذا النظام في المنازعات التي لا يحتمل فيها المركز القانوني الانتظار لحين اكتمال تشكيل هيئة التحكيم. ففي حال غياب الآلية المتفق عليها، نظم القانون إمكانية تعيين هذا المحكم بأمر على عريضة خلال خمسة أيام، على أن يصدر قراره خلال خمسة عشر يوماً، مع إمكانية التمديد المسبب لمدة لا تتجاوز عشرة أيام. كما نظم التظلم من القرار برقابة قضائية سريعة. ويعالج هذا التنظيم فجوة عملية مهمة بين نشوء الحاجة إلى حماية عاجلة وبين اكتمال تشكيل الهيئة التي ستفصل في أصل النزاع.

تنفيذ الأحكام ودعاوى البطلان

الحصول على حكم تحكيم ليس نهاية النزاع بالنسبة للشركة الدائنة، فالقيمة الاقتصادية الحقيقية للحكم تبدأ عندما يصبح قابلاً للتنفيذ ويتحقق تحصيل الحق المحكوم به. وقد فصل القانون بين حجية الحكم ومرحلة تنفيذه جبراً. فالمادة 68 تقرر لأحكام التحكيم قوة الأمر المقضي، فيما نظمت المواد اللاحقة أمر التنفيذ والرقابة القضائية المرتبطة به. وتشمل الضوابط، وفق المادة 70: التحقق من عدم تعارض الحكم مع حكم سابق في الموضوع، وعدم مخالفته للنظام العام، واستيفاء متطلبات الإعلان ومواعيد دعوى البطلان. وفي المقابل، جعل القانون البطلان طريقاً محدداً لمراجعة الحكم، مع أسباب وضوابط وآجال معينة، وقرر كأصل عام أن رفع دعوى البطلان لا يؤدي بذاته إلى وقف التنفيذ. وهذه نقطة ذات أثر عملي بالغ الأهمية، لأنها تحد من إمكانية استخدام مجرد إقامة دعوى البطلان كوسيلة لتأجيل آثار الحكم دون مبرر جدي.

إذا كان هناك نص مرشح لإثارة نقاش قانوني جاد في التطبيق، فهو المادة 79. فالقانون يقضي بأنه إذا حكمت محكمة الاستئناف ببطلان حكم التحكيم، كلياً أو جزئياً، فإنها، مع مراعاة المادة 79، تتناول موضوع النزاع وتقضي فيه. ويحمل هذا التوجه مبرراً عملياً واضحاً هو عدم إعادة الخصوم إلى نقطة البداية بعد استنفاد الوقت والنفقات في خصومة تحكيمية انتهت ببطلان الحكم. غير أن النص يثير في الوقت نفسه سؤالاً قانونياً بالغ الأهمية: إذا ظل اتفاق التحكيم قائماً وصحيحاً رغم بطلان الحكم، فإلى أي مدى يتوافق انتقال الفصل في أصل النزاع إلى القضاء العادي مع إرادة الطرفين الأصلية في اختيار التحكيم؟ وماذا لو تفرعت عن النزاع نفسه طلبات أخرى مرتبطة، فهل يعود الطرفان إلى نقطة البداية بإجراءات التحكيم كونها أساس الاتفاق، أم تبقى المحكمة مختصة لأنها فصلت بحكم قضائي من محكمة الاستئناف؟ هذا يقود إلى ما سيطالب به الخصوم وحيثيات وتوسع القاضي في إبطال الشرط أم إبطال إجراءات التحكيم التي جعلت محكمة الاستئناف مختصة بنظر النزاع. وهنا ستظهر أهمية التطبيق القضائي في تحقيق التوازن بين اعتبارات الاقتصاد في الإجراءات من جهة، واحترام سلطان إرادة الأطراف والطبيعة الاتفاقية للتحكيم من جهة أخرى. وفي تقديري، ستكون المادة 79 من أهم النصوص التي سيرسم القضاء من خلالها حدود العلاقة الجديدة بين استقلال التحكيم والقضاء المساند له.

مقارنة خليجية وأثرها على بيئة الأعمال

يضع القانون الجديد الكويت ضمن الاتجاه الخليجي نحو بناء تشريعات مستقلة للتحكيم، وهو النهج الذي اتبعته دولة الإمارات في القانون الاتحادي رقم 6 لسنة 2018 وتعديلاته، والسعودية في نظام التحكيم الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/34 لسنة 1433هـ الموافق 2012. لكن الاتفاق في البناء العام لا يعني تطابق الأنظمة، إذ تكشف المقارنة عن فروق قانونية مهمة في حدود تدخل القضاء، ومعالجة بعض مراحل الخصومة التحكيمية. ففي الإجراءات العاجلة، اتجه المشرع الكويتي إلى تنظيم محكم للإجراءات الوقتية والتحفظية تشريعياً قبل تشكيل هيئة التحكيم، ووضع له آجالاً محددة للتعيين وإصدار القرار، وهو ما يبرز كأحد الملامح المميزة للقانون الجديد. كما منح القانون الكويتي مساحة واسعة للإجراءات الإلكترونية، بما في ذلك الجلسات وتبادل المذكرات والمستندات باستخدام الوسائل التقنية الحديثة. أما الفارق الأكثر دقة فيظهر عند بطلان حكم التحكيم. فالمادة 79 من القانون الكويتي تتجه، مع مراعاة المادة 78، إلى تصدي محكمة الاستئناف لموضوع النزاع عند الحكم بالبطلان، كلياً أو جزئياً. وهذه المعالجة تمنح القضاء الكويتي دوراً موضوعياً أوسع بعد البطلان، خلافاً للاتجاه في النظامين السعودي والإماراتي حيث تظل الرقابة القضائية مرتبطة بالبطلان والتنفيذ من دون تبني صيغة التصدي الإلزامي للموضوع. وتظهر خصوصية أخرى في عقود جهات الدولة، إذ وضع القانون الكويتي تنظيماً تفصيلياً للموافقات اللازمة للاتفاق على التحكيم، بما في ذلك استطلاع رأي إدارة الفتوى والتشريع، والموافقات التي تحددها المادة 3 وفق طبيعة العقد والجهة المعنية. ويجعل ذلك التحقق من استيفاء الموافقات القانونية جزءاً أساسياً من سلامة بناء شرط التحكيم منذ مرحلة التعاقد، وليس مجرد مسألة إجرائية تظهر عند نشوء النزاع. ومن ثم، لا تكشف المقارنة عن أفضلية مطلقة لنظام على آخر، بقدر ما تظهر اختلاف الفلسفة التشريعية في تحديد العلاقة بين إرادة الأطراف واستقلال العملية التحكيمية من جهة، ودور الدولة والقضاء في الرقابة والمساندة من جهة أخرى. ويبدو القانون الكويتي أكثر تفصيلاً في بعض أدواته التنظيمية والإجرائية، فيما يبقى نجاح هذا الاختيار مرتبطاً بمدى قدرة التطبيق على المحافظة على سرعة التحكيم ومرونته من دون أن تتحول الرقابة التنظيمية أو القضائية إلى طبقة إجرائية إضافية.

أما الشركات التي تتعامل مع الجهات الحكومية، فإن القانون يفرض عليها مستوى أعلى من العناية التعاقدية. فالمادة 3 اشترطت في التحكيم المتعلق بعقود جهات الدولة استطلاع رأي إدارة الفتوى والتشريع، وربطت بعض العقود بموافقة مجلس الوزراء، وأخرى بموافقة الوزير المختص وفق القواعد المقررة، فيما أخضعت العقود المرتبطة بمؤسسة البترول الكويتية والشركات المملوكة لها لتنظيم خاص يتصل بالمجلس الأعلى للبترول. وعليه، فإن الموافقات المطلوبة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مسألة إدارية هامشية يمكن معالجتها عند وقوع النزاع، بل كجزء من البنية القانونية لشرط التحكيم ينبغي التحقق منها منذ مرحلة التفاوض والتوقيع. فالخلل في بناء شرط التحكيم قد يكون أخطر من الخلاف حول العقد ذاته، لأنه قد ينقل الخصومة من مناقشة أصل الحق إلى نزاع أولي حول صحة وسيلة تسويته.

وتبنى القانون مساراً واضحاً للرقمنة في الإجراءات التحكيمية. فالمادة 39 تمنح الإجراءات المنفذة عبر وسائل التقنية الحديثة الأثر القانوني المقرر للإجراءات الحضورية. كما يعترف القانون بالمراسلات الإلكترونية في إثبات اتفاق التحكيم، ويتناول التوقيع الإلكتروني للحكم. وفي المقابل، قررت المادة 40 سرية الإجراءات، وربط القانون إفشاء أسرار التحكيم أو نشر الحكم بالمخالفة لأحكامه بجزاءات محددة. وهنا تتجلى معادلة تشريعية مهمة: اتساع استخدام التقنية في إدارة الخصومة يقابله تشدد أكبر في حماية سرية المعلومات المتداولة خلالها. ويضاف إلى ذلك ما قررته المادة 30 بشأن الإفصاح عن مصادر تمويل تكاليف التحكيم، مما يدخل مسألة التمويل وما يرتبط بها من اعتبارات تعارض المصالح ضمن البنية التنظيمية الجديدة.

في المحصلة، لا يمثل قانون التحكيم الجديد مجرد إعادة تنظيم لإجراءات فض المنازعات، بل يعكس توجهاً نحو بناء بيئة قانونية أكثر وضوحاً ومرونة في التعامل مع النزاعات التجارية والاستثمارية. وقد وفر القانون أدوات مهمة تمتد من الرقمنة والتدابير الوقتية إلى ضبط إجراءات البطلان والتنفيذ، وهي عناصر تجعل التحكيم خياراً يستحق أن يكون حاضراً بجدية عند تصميم العقود والاستثمارات الكبرى. بالنسبة للمستثمر، فإن الثقة في السوق لا تقوم فقط على فرص الربح، بل ترتبط أيضاً بوضوح القواعد التي تحكم العلاقة، ومعرفة الطريق الذي يسلكه عند نشوء الخلاف، والقدرة على حماية الحقوق والوصول إلى حكم قابل للنفاذ. ومن هنا تأتي القيمة الأعمق للتشريع الجديد: جعل إدارة النزاع جزءاً من التخطيط للاستثمار، لا أزمة تبدأ بعد وقوعه. ولا يعني ذلك أن التحكيم هو الخيار الأفضل لكل عقد، أو أن صدور القانون سيزيل بذاته جميع تحديات التطبيق، بل يعني أن الشركات والمستثمرين أصبح أمامهم إطار تشريعي أكثر تكاملاً يتيح لهم، متى أحسنوا صياغة اتفاقاتهم واختيار آليات التحكيم المناسبة، بناء علاقاتهم التجارية على قدر أكبر من الوضوح وقابلية التوقع. وإذا اقترنت هذه النصوص بتطبيق قضائي مساند وفعال، ومراكز تحكيم مؤسسية ذات كفاءة، وممارسة مهنية متخصصة، فإن الفرصة تصبح مهيأة لتعزيز الثقة في الكويت كمقر لتسوية المنازعات التجارية والاستثمارية.

فالاستثمار الواثق لا يبدأ فقط بدراسة جدوى المشروع، بل يبدأ أيضاً من الثقة في النظام القانوني الذي يحميه. والقانون الجديد يفتح الباب أمام الشركات والمستثمرين لإعادة النظر إلى التحكيم، لا باعتباره طريقاً بديلاً عند وقوع النزاع فحسب، بل باعتباره جزءاً من هندسة الصفقة وإدارة مخاطرها وحماية استمراريتها منذ اليوم الأول. وحين تلتقي جودة التشريع بكفاءة التطبيق، يتحول التحكيم من مجرد وسيلة لفض النزاع إلى أحد عناصر الثقة في البيئة الاستثمارية. وهنا تكمن الفرصة الحقيقية أمام الكويت: أن تجعل من كفاءة العدالة التجارية سبباً إضافياً للاستثمار فيها.

ورداً على سؤال حول ما إذا أصبح التحكيم أقل تكلفة، أكد الدكتور فايز الفضلي أن الإجابة المهنية الدقيقة تقول إنه ليس بالضرورة، فالتحكيم قد يتضمن أتعاب المحكمين والخبراء والمحامين ورسوم المؤسسة التحكيمية، ولا يسمح صدور قانون جديد بذاته بالجزم بأن التحكيم أصبح أقل تكلفة من القضاء. لكن المعادلة الاقتصادية أوسع من الرسوم المباشرة. فإذا نجحت المواعيد الجديدة والرقمنة والتدابير العاجلة وتقليص فرص المماطلة في الحد من مدة النزاع وآثاره على الأعمال، فقد ينعكس ذلك على الكلفة الاقتصادية الإجمالية التي تتحملها الشركات. لذلك، فإن السؤال الأدق ليس: أيهما أرخص، القضاء أم التحكيم، بل أي مسار يحقق، في النزاع المحدد، أفضل توازن بين الكلفة والمدة والخبرة المتخصصة والسرية وقابلية التنفيذ.