بعد تدمير أربعة مصانع.. حرفي سوري يعيد إحياء فن الفسيفساء في وطن عاد إليه

من ورشة صغيرة في ريف دمشق، شرع الحرفي السوري محمد باريني (85 عاماً) في رحلة جديدة لإعادة إحياء فن الفسيفساء في وطنه، بعد سنوات من اللجوء في تركيا، إثر تدمير مصانعه الأربعة التي أمضى نصف قرن في بنائها وتطويرها.
بداية العودة من المنفى
ينحدر باريني من بلدة عين ترما بريف دمشق، حيث اضطر إلى مغادرة سوريا مع أسرته بسبب الحرب التي شنها نظام بشار الأسد المخلوع على الشعب السوري بين عامي 2011 و2024. وخلال سنوات اللجوء، تمكنت العائلة من استئناف نشاطها في صناعة الفسيفساء الحجرية في مدينة ماردين التركية (جنوب شرق)، ونجحت في تسويق منتجاتها في أنحاء تركيا وتصديرها إلى دول منها الولايات المتحدة.
لكن العودة إلى سوريا بعد سقوط نظام الأسد كشفت حجم الدمار، إذ وجدت العائلة مصانعها الأربعة، التي شُيدت على مدى عقود، مدمرة بالكامل جراء القصف. ورغم الخسائر، قرر باريني وابنه باسل استئناف العمل، فاستأجرا مقراً جديداً في وادي عين ترما وحوّلاه إلى ورشة متوسطة الحجم لإنتاج لوحات فسيفسائية متنوعة، بهدف إحياء نشاط العائلة والحفاظ على حرفة توارثتها الأجيال.
شغف نصف قرن مع الرخام
في حديث للأناضول، قال محمد باريني إن عودته جاءت بعد التغيرات التي شهدتها سوريا، مدفوعاً برغبته في استعادة مهنته داخل وطنه. وأضاف: “كان كل شيء هنا قد دُمّر، ولم يبقَ لدينا شيء. بدأنا العمل مجدداً في ورشتنا الجديدة، وشرعنا في إصلاحها. سنجعلها أفضل مما كانت عليه”.
وعلى مدى 50 عاماً، كرس باريني حياته لصناعة الفسيفساء، مستخدماً أنواعاً مختلفة من الرخام المحلي والمستورد لإنجاز مئات القطع الفنية. وأوضح أن المهنة كانت تعتمد في البداية على الجهد اليدوي، قبل أن تسهم التقنيات الحديثة في تسريع الإنتاج وتسهيل التصنيع. وقال: “في السنوات الأولى، كنا ننجز كل شيء يدوياً وبإمكانات محدودة، أما اليوم، فقد أصبحت عملية الإنتاج أسرع بفضل المواد اللاصقة وأنظمة الجلخ الحديثة وتقنيات القطع بنفث الماء”.
وبالنسبة إلى باريني، لم تعد صناعة الفسيفساء مجرد مهنة، بل تحولت إلى جزء من حياته ومصدر للسعادة. وقال: “أشعر بالسعادة عندما ألمس الرخام. عندما لا أعمل أشعر بأنني مريض. سأواصل ممارسة المهنة ما دام فيّ نَفَس”.
إرث يمتد إلى الجيل التالي
لم تقتصر الحرفة على محمد باريني، بل انتقلت إلى نجله باسل، الذي بدأ تعلم الفسيفساء وتشكيل الرخام في العاشرة من عمره على يد والده في دمشق. مع اندلاع الحرب، اضطرت العائلة إلى مغادرة سوريا، فيما أقام باسل فترة في روسيا قبل أن يلتحق بأسرته في تركيا، حيث واصل المهنة وشارك في تنفيذ مشاريع داخل البلاد وخارجها.
وقال باسل للأناضول إن العائلة شاركت في تنفيذ مشروع مضمار لسباق الخيل في إزمير (غرب تركيا)، وأنجزت أعمالاً فنية لشركات كبرى من الولايات المتحدة وكندا تعمل في تركيا، فضلاً عن تصميم قطع تراعي الذوق التركي. وخلال إقامته، تعلم اللغة التركية وتعرف إلى الثقافة المحلية، وأنتجت العائلة لوحات فسيفسائية بينها صور لمؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك.
ورغم النجاح خارج سوريا، ظل حلم العودة حاضراً. وقال باسل: “الحرب أجبرتنا على مغادرة بيوتنا، لكنها لم تُخرج سوريا من داخلنا. بقيت دائماً في قلوبنا. مهما طال الزمن، ظللنا نحلم بالعودة إلى وطننا”.
توثيق الذاكرة بالحجر الملون
لم تقتصر أعمال العائلة على اللوحات الزخرفية، بل وظفت الفسيفساء لتوثيق أحداث وقضايا إنسانية، في محاولة للحفاظ على الذاكرة ونقلها للأجيال القادمة. وأوضح باسل أن الأعمال تناولت موضوعات من القدس والقضية الفلسطينية إلى الثورة السورية، فضلاً عن رحلات الهجرة المحفوفة بالمخاطر ومعاناة الأطفال اللاجئين.
وعبر باسل عن امتنانه للشعب التركي وحكومته على ما قدماه للعائلة خلال اللجوء، مشيراً إلى أن العمل مع الحرفيين الأتراك أتاح تبادل الخبرات. وقال: “أشعر بسعادة كبيرة للعمل إلى جانب الحرفيين الأتراك وتعليم هذا الفن في متحف دمشق. لقد أسهمت مهنتنا في بناء صداقات قوية بين الشعبين التركي والسوري”.





