بعد استعادة كيدال في مالي: هل يتحول مسار الصراع من المواجهة إلى طاولة الحوار؟

تونس – عادل الثابتي – الأناضول
في السادس من أكتوبر/تشرين الأول الجاري، أعلن الجيش المالي دخوله مدينة كيدال الاستراتيجية الواقعة في شمال البلاد، وذلك بعد أن أعلنت جبهة تحرير أزواد انسحابها منها، عقب نحو ستة أشهر من السيطرة عليها. يأتي هذا التطور في وقت يثير فيه الانسحاب دون اشتباك مباشر تساؤلات حول دلالاته العسكرية والسياسية، وما إذا كان يمهد لعودة المسار التفاوضي أم يعكس إعادة تموضع استعداداً لجولة جديدة من القتال في شمال مالي.
خلفية الأحداث: من الهجمات إلى الانسحاب
كان مقاتلو جبهة تحرير أزواد ومسلحون من جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة قد شنوا في أبريل/نيسان الماضي هجمات واسعة في أنحاء مالي، تمكنوا خلالها من السيطرة على كيدال التي تبعد 1500 كيلومتر عن العاصمة باماكو. وفي إطار تلك الهجمات، استُهدف مقر إقامة وزير الدفاع ساديو كامارا بمدينة كاتي قرب باماكو بسيارة مفخخة يقودها انتحاري، قبل أن يندلع اشتباك أصيب خلاله الوزير وتوفي لاحقاً متأثراً بجروحه، في ضربة قوية للمجلس العسكري الحاكم.
لكن جبهة تحرير أزواد قالت لدى انسحابها من كيدال في السادس من أكتوبر/تشرين الأول الجاري، إنها تنفذ انسحاباً استراتيجياً ومضبوطاً لقواتها من المدينة. ووصفت الخطوة بأنها إجراء عملياتي مؤقت يهدف إلى الحفاظ على قدراتها البشرية واللوجستية، وأرجعت القرار إلى الضغط الذي شكلته العمليات الجوية التي نفذها الجيش المالي بدعم من شركائه الروس. ودخلت القوات المالية وشركاؤها الروس المدينة دون قتال، فيما أعلنت باماكو تعزيز وجودها فيها تمهيداً للعودة التدريجية للإدارة والخدمات العامة.
آراء الخبراء: استقرار مؤقت أم تمهيد لحوار سياسي؟
تعليقاً على المستجدات، قال خبير في الشأن المالي يقيم في باماكو، مفضلاً عدم كشف هويته لدواع أمنية، إن باماكو أصبحت آمنة الآن ومستقرة، وخطوط الإمداد عادت تعمل في وضع طبيعي. وأضاف في تصريحات للأناضول أن أحداث الشمال في كيدال وغيرها لا تأثير لها في الوضع الحالي، رغم أن الجيش يتكبد خسائر كبيرة. وأكد أن الاتفاق مع الجزائر كان له تأثير في استقرار العاصمة وحصر المعارك في الشمال. ويرجح الخبير أن تكون هناك أجندة سياسية متفق عليها تقضي بإجراء انتخابات وتسليم السلطة لجهة منتخبة، كما يرجح أن يكون تراجع أزواد من كيدال متفقاً عليه من خلال العودة إلى خطوط تماس قديمة، مستدلاً على ذلك بخروج جبهة تحرير أزواد دون قتال.
على الجهة المقابلة، قال الناطق باسم جبهة تحرير أزواد محمد المولود رمضان في اتصال مع الأناضول إن انسحابهم من كيدال محكم ومنظم ومجرد عملية استراتيجية. وأضاف أن لديهم استراتيجية بإخلاء كيدال والنظر في أمور أخرى، فالانسحاب متعلق بأمور عسكرية بحتة. واعتبر أن مستقبل دولة مالي مشروط بإيجاد حلول عادلة للقضية الأزوادية، وأن عدم الاستقرار سيستمر ما لم توجد حلول تلبي تطلعات الشعب الأزوادي، مردفاً بالقول: نحن في حرب والمعارك ستستمر. وشدد على ضرورة إيجاد حلول للقضية، خاصة سياسية تتعلق بحق الشعب الأزوادي في تقرير المصير.
تحليلات أكاديمية: فرص التفاوض وخطر العودة للقتال
من جانبه، قال أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة الجزائر عمار سيغة في حديث للأناضول إن ما تشهده أزمة مالي من تطورات بعد عودة جبهة تحرير أزواد إلى خطوط التماس القديمة يطرح عدة تساؤلات وتفسيرات. وأوضح أن أبرز تلك التساؤلات يتعلق بالحل السياسي الذي يمكن اعتباره قريباً من خلال التطورات الميدانية التي أثبتت أن التكلفة باهظة للمقاربة العسكرية، مشيراً إلى الخسائر البشرية. وأضاف سيغة أن المقاربة العسكرية أصبحت على المحك، بالإضافة إلى وجود ضغوط إقليمية ودولية من خلال لعب الجزائر دوراً مهماً في رعاية اتفاق السلم والمصالحة. ولفت إلى أن الاتفاق جاء ضمن مسار رعته الجزائر لإعادة الأطراف إلى طاولة الحوار، وتغليب مقاربة الأمن والاستقرار في منطقة الساحل من خلال الحوار السياسي واحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها.
وتابع سيغة أن هناك تطورات أخرى من خلال دخول الأزمة مرحلة مفصلية، وبوادر الانفراج السياسي باتت أكثر طرحاً. وأشار إلى معطى آخر يتمثل في عودة التفاوض لإيجاد مخارج سياسية، باعتبار أن جبهة تحرير أزواد ما زالت تتمسك بمطالبها المتعلقة بالتنمية وإنشاء مشاريع اقتصادية من شأنها تخفيف الفقر وتحسين الظروف الاجتماعية. ووفق سيغة، فإن السيناريوهات مفتوحة لكل الاحتمالات، والعودة للعمل المسلح واردة إذا فشل أي تفعيل جديد لاتفاق الجزائر 2015. ونبه إلى أن الطرفين، جبهة تحرير أزواد والجيش المالي، قد يستغلان الهدوء لتنظيم الصفوف وتأمين خطوط الإمداد في العمق الصحراوي، تحسباً لأي سيناريوهات محتملة.
وفي العام 2015، تم التوقيع على اتفاق السلم والمصالحة في مالي بوساطة رئيسية من الجزائر بين الحكومة المالية وجماعات مسلحة شمالي البلاد. وتضمن الاتفاق ترتيبات لدمج مقاتلين سابقين في مؤسسات الدولة ومعالجة قضايا سياسية وأمنية وتنموية في شمال مالي. وفي يناير/كانون الثاني 2024، أعلن المجلس العسكري الحاكم في مالي إنهاء الاتفاق بأثر فوري.
وجهة نظر باحث: الانسحاب يفتح آفاقاً جديدة لكن الاستقرار بعيد
ويرى سيغة أن انسحاب القوات الأزوادية من كيدال يفتح فرصاً حقيقية قد تساهم في إحياء المسار التفاوضي وتغليب المقاربة السياسية، وهو ما قد يحول الملف من نبرة عسكرية تصادمية إلى منطق التوافق الشامل والحوار. ويضيف أن الانسحاب يؤكد أن القيادة الأزوادية لا تزال تحافظ على المرونة اللازمة التي تمكن من تجسيد تطلعات القبائل والمكون الاجتماعي للمنطقة بما يكفل الوحدة والاستقرار في مالي.
بدوره، اعتبر الباحث الموريتاني في شؤون دول الساحل والصحراء محمدن أيب أيب أن انسحاب جبهة تحرير أزواد سيفتح أمامها علاقات جديدة وآفاقاً عسكرية وأمنية جديدة في حوض نهر النيجر وبحيرة تشاد وإقليم أزواد. وأشار أيب للأناضول إلى أن دخول جيش مالي إلى كيدال جاء بعد التقارب الجزائري المالي، لكنه يرى أن دخول المدينة لا يعني نهاية الحرب، لأنه أمام حيز جغرافي يمتد إلى حدود الجزائر ومنطقة تودن (نحو 1200 كيلومتر شمال باماكو)، وهي صحراء واسعة قاحلة لا أثر فيها للوجود المالي. ويوضح الباحث الموريتاني أن الانسحاب جاء بسبب الغطاء الجوي الذي وفره الروس للجيش المالي. ويتوقع أنه لن يكون هناك استقرار إلا بغلبة السلاح أو العودة إلى المفاوضات بين جبهة تحرير أزواد ومالي. ويلفت إلى أن جبهة تحرير أزواد انسحبت ودخل الجيش دون قتال، إلا أن الحديث عن استقرار في مالي بعيد المنال الآن.
وتطلق تسمية أزواد على منطقة جغرافية واسعة في شمال مالي تضم مكونات سكانية وإثنية متعددة، منها الطوارق والعرب والفولاني والسونغاي، ويعد الطوارق من أبرز مكوناتها، ويتميزون بثقافتهم الأمازيغية ولغتهم التماشقية. وتبلغ مساحة أزواد نحو 822 ألف كيلومتر مربع من إجمالي مساحة مالي البالغة نحو 1.24 مليون كيلومتر مربع، وتمتد شمالي البلاد بمحاذاة الحدود مع الجزائر وموريتانيا والنيجر.





