تصاعد استهداف منشآت النفط في ليبيا يهدد الاقتصاد والاستقرار

تصاعد استهداف منشآت النفط في ليبيا يهدد الاقتصاد والاستقرار

تعود منشآت الطاقة الليبية إلى دائرة الاضطرابات الأمنية والسياسية، بعد سلسلة من الحوادث المتزامنة التي طالت مواقع حيوية في غرب البلاد، مما يعيد إلى الواجهة ملف استخدام قطاع النفط والغاز كورقة ضغط في الصراعات المحلية. فخلال أيام قليلة، تعرضت مصفاة الزاوية ومجمع مليتة الصناعي لأحداث منفصلة، أعادت المخاوف من تحول الحقول والموانئ وخطوط الأنابيب إلى أهداف للاحتجاج أو الاشتباك أو فرض المطالب.

حادثان متزامنان في الزاوية ومليتة

في التاسع من أغسطس 2026، اصطدمت طائرة مسيّرة بأحد خزانات مصفاة الزاوية فجر السبت، مما تسبب في أضرار مادية وتسرب منتج النافثا. وقبل ذلك بأيام، شهد مجمع مليتة الصناعي، الواقع على بعد أقل من 20 كيلومتراً من مدينة الزاوية، عملية اقتحام من قبل محتجين أدت إلى إغلاق خطوط الغاز المغذية لمحطات الكهرباء. وتعيد هذه التطورات السؤال القديم إلى الواجهة: هل عادت منشآت النفط والغاز لتكون إحدى أبرز أوراق الضغط في الصراع الليبي، بعد سنوات من الإغلاقات التي كبدت البلاد خسائر بمليارات الدولارات؟

أهمية استراتيجية تتجاوز الحدود

تتجاوز أهمية منشأتي الزاوية ومليتة السوق المحلية؛ فمجمع مليتة يرتبط بمعالجة النفط والغاز، بالإضافة إلى كونه محطة رئيسية لخط ‘غرين ستريم’ الذي ينقل الغاز الليبي إلى إيطاليا. وهنا تكمن حساسية استهداف المنشأة، إذ إن المساس بإمدادات الغاز لا يهدد فقط إنتاج الطاقة داخل ليبيا، بل قد ينعكس أيضاً على التزامات البلاد الخارجية وشراكاتها مع الدول الأوروبية، وفي مقدمتها إيطاليا. وبذلك تكشف واقعتا الزاوية ومليتة عن طبيعة مختلفة من المخاطر التي باتت تواجه قطاع الطاقة: فبينما جاء الخطر في الزاوية من حادث أمني مباشر طال منشأة إنتاجية، ارتبطت أزمة مليتة باحتجاجات تحولت إلى تعطيل فعلي لتدفقات الطاقة.

ظاهرة قديمة تتجدد

لا تمثل هذه التطورات سابقة في قطاع الطاقة الليبي؛ فقد شهدت البلاد منذ عام 2013 موجات متتالية من إغلاق المنشآت النفطية، بدأت بموانئ الهلال النفطي شرق البلاد، ثم امتدت خلال أعوام 2014 و2016 و2018 إلى حقول وموانئ وخطوط إنتاج في مناطق مختلفة من الشرق والغرب والجنوب. وتنوعت دوافع الإغلاقات بين مطالب سياسية ومالية ومحلية واحتجاجات مرتبطة بالتنمية وتوزيع الموارد، فضلاً عن تحركات جماعات مسلحة سعت إلى استخدام المنشآت النفطية للحصول على مكاسب أو فرض شروط على السلطات. لكن القاسم المشترك بين معظم تلك الأزمات كان واحداً: تحويل السيطرة على مورد اقتصادي استراتيجي إلى وسيلة للتأثير في القرار السياسي. بلغت الأزمة ذروتها مطلع عام 2020 عندما توقف معظم إنتاج النفط الليبي لنحو 8 أشهر، في واحدة من أكبر عمليات الإغلاق التي شهدها القطاع منذ سقوط نظام معمر القذافي. وتكررت عمليات الإغلاق بعد ذلك في عدد من الحقول وخطوط الإنتاج، لتصبح منشآت النفط والغاز في أحيان كثيرة جزءاً من أدوات الصراع بين القوى السياسية والعسكرية والاجتماعية، في ظل استمرار الانقسام السياسي وغياب سلطة موحدة قادرة على حماية القطاع وإبعاده عن التجاذبات.

كلفة الصراع: دروس من عام 2020

تقدم أزمة عام 2020 نموذجاً واضحاً لحجم الكلفة التي يمكن أن تدفعها الدولة عندما يتحول النفط من مصدر للدخل إلى أداة للصراع. وفقاً لبيانات المؤسسة الوطنية للنفط، تسبب الإغلاق الذي بدأ في يناير 2020 واستمر قرابة 8 أشهر في خسائر تجاوزت 10 مليارات دولار، بعدما هبط الإنتاج من نحو 1.2 مليون برميل يومياً إلى أقل من 100 ألف برميل فقط في بعض الفترات. ولم تكن الخسائر محصورة في قيمة البراميل التي لم تصل إلى الأسواق، بل امتدت إلى سلسلة واسعة من التداعيات المرتبطة بالمالية العامة والاستثمار والإنتاج والصيانة وثقة الشركات الدولية. فاقتصاد ليبيا شديد الارتباط بعائدات النفط التي تشكل أكثر من 90% من إيرادات الدولة، فيما تعتمد الموازنة العامة بدرجة كبيرة على العائدات النفطية لتمويل المرتبات والدعم والإنفاق الحكومي. ومع تجاوز إنتاج ليبيا خلال الأشهر الأخيرة مستوى 1.4 مليون برميل يومياً، وهو من أعلى المستويات المسجلة خلال السنوات الماضية، تبدو المفارقة واضحة: كلما تحسن الإنتاج وارتفعت القدرة على التصدير، زادت أهمية حماية المنشآت من العودة إلى دائرة الإغلاق والصراع. وأي توقف في الإنتاج أو التصدير يمكن أن ينعكس سريعاً على الإيرادات العامة، وعلى قدرة الدولة على تمويل الإنفاق، وعلى سعر صرف الدينار، فضلاً عن مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.

تحذيرات الخبراء: خطر يهدد الاستثمار والاستقرار

يرى محلل أسواق الاقتصاد والطاقة المهندس علي الفارسي أن التهديدات التي تواجه منشآت الطاقة تشكل خطراً مباشراً على منظومة الطاقة الليبية، وتنعكس سلباً على مكانة البلاد الاستثمارية وثقة الشركات الأجنبية والشركاء الدوليين. ويقول الفارسي في تصريحات لموقع ‘سكاي نيوز عربية’ إن ليبيا تتجه حالياً إلى تطوير قدراتها في مجال الغاز واستغلال مواردها بصورة أكبر، وهو ما يجعل إبعاد منشآت النفط والغاز عن الخلافات السياسية ضرورة لا تحتمل التأجيل، مؤكداً أن تحقيق الاستقرار الاقتصادي يظل رهناً بفرض الأمن وحماية البنية التحتية للطاقة. وتحمل هذه النقطة أهمية خاصة في ظل سعي ليبيا إلى زيادة إنتاجها من النفط والغاز وجذب استثمارات جديدة إلى القطاع؛ فالمستثمر لا ينظر فقط إلى حجم الاحتياطيات والإنتاج، بل يضع استقرار المنشآت وخطوط النقل وقدرة الدولة على حمايتها ضمن حساباته الأساسية. وبالتالي، فإن استمرار تعرض منشآت الطاقة للإغلاق أو التهديد لا يهدد الإنتاج الحالي فقط، بل يمكن أن يرفع كلفة الاستثمار ويؤثر في قرارات الشركات بشأن توسيع أعمالها في ليبيا.

انعكاس لأزمة أوسع

ولا ينفصل التوتر بشأن منشآت النفط والغاز، بحسب السياسي الليبي وعضو الحوار المهيكل التابع لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا صبري المبروك، عن أزمات أوسع تعيشها البلاد. وأوضح المبروك في تصريحات للموقع نفسه أن الأزمة الحالية تتجاوز منشآت النفط وتعكس تراكم أزمات أمنية وخدمية وسياسية. وأضاف أن السلوكيات التي أحاطت بالمؤسسات النفطية جاءت نتيجة استمرار الانسداد السياسي ورفض قطاع من الشارع الليبي للمبادرات المطروحة، مع تصاعد المطالب بإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، ومحاربة الفساد وتحسين الخدمات الأساسية. ويرى المبروك أن المشهد لا يقتصر على طرابلس، بل يمتد إلى مدن أخرى مثل بنغازي وسبها وإن اختلفت أشكال التعبير. مشيراً إلى أن المخرج الحقيقي للأزمة من وجهة نظره يتمثل في تجديد الشرعية الشعبية عبر الانتخابات، واختيار حكومة موحدة قادرة على فرض سلطة الدولة ومحاربة الفساد واستعادة هيبتها. وهنا تبدو العلاقة بين الاحتجاجات وقطاع الطاقة أكثر تعقيداً: فالغضب الشعبي قد يكون نتيجة تراكم أزمات الكهرباء والوقود والسيولة والخدمات والفساد والانقسام السياسي، قبل أن يجد طريقه إلى المنشآت التي تمثل قلب الاقتصاد ومصدر الإيرادات الرئيسي للدولة.

إطلاق النار على القدم

لكن استخدام منشآت الطاقة وسيلة للتعبير عن الغضب يحمل كلفة مختلفة. ويحذر الدكتور خالد الزنتوتي، أستاذ التمويل في الجامعات الليبية، من أن تحويل المنشآت النفطية والغازية إلى ساحة للاحتجاج أو الاشتباك قد يؤدي إلى تفاقم الأزمات. وقال الزنتوتي في تصريحات لموقع ‘سكاي نيوز عربية’ إن وقف تدفق النفط أو الغاز يشبه إطلاق النار على القدم، لأن المتضرر الأول من هذه الإجراءات هو المواطن الليبي الذي يعتمد على هذه الموارد في تشغيل محطات الكهرباء وتمويل الإنفاق العام، مشدداً على ضرورة تجنب توجيه الغضب الشعبي نحو المنشآت النفطية والغازية باعتبارها مقدرات لجميع الليبيين.

اخبار الكويت ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة الكويتية و الخليجية و العربية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة.

اخبار تهمك