ارتفاع تكاليف «بدائل هرمز» على دول الخليج وتفوق أعباء غياب الممر البحري

ارتفاع تكاليف «بدائل هرمز» على دول الخليج وتفوق أعباء غياب الممر البحري

أظهر إغلاق مضيق هرمز خلال الصراع الأخير بين الولايات المتحدة وإيران اختباراً صعباً كشف مدى اعتماد دول الخليج على ممر مائي ضيق يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية. ومع استمرار طموحات طهران لاستخدام المضيق كأداة ضغط، اضطرت دول المنطقة إلى إعادة تقييم حساباتها الاستراتيجية والبحث عن إجابة ملحة: ما هو الثمن الفعلي للاعتماد على هرمز؟

تداعيات الإغلاق ودفع الدول إلى بدائل استراتيجية

لم تقتصر الأزمة على تعطل الصادرات النفطية وتعقيد سلاسل الإمداد، بل دفعت دول الخليج إلى تسريع مسار استثمارات ضخمة تهدف إلى إعادة رسم خريطة النقل والطاقة والتجارة. شملت هذه الجهود تطوير خطوط أنابيب جديدة، وإنشاء موانئ وممرات برية، وتوسيع شبكات السكك الحديدية، كل ذلك لتقليل الاعتماد على أحد أكثر الممرات البحرية حساسية على سطح الأرض. وقد أعلنّت الإمارات مؤخراً عن خطة تهدف إلى تحقيق «اعتماد صفري» على مضيق هرمز، ما يدلّ على تحول البدائل من خيار احتياطي إلى أولوية استراتيجية طويلة الأمد.

الفوارق في الجاهزية بين دول الخليج

كشفت الأزمة عن تفاوت واضح في مدى استعداد دول مجلس التعاون الخليجي لمواجهة سيناريو إغلاق المضيق. استطاعت كل من السعودية والإمارات الحفاظ على حصة كبيرة من صادراتهما النفطية بفضل استثمارات مبكرة في بنية تحتية بديلة. تمتلك المملكة خط الأنابيب شرق‑غرب الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر بطاقة تصل إلى سبعة ملايين برميل يومياً، بينما تمتلك الإمارات خط أنابيب أبوظبي للنفط الخام بسعة تقارب المليون ونصف البرميل يومياً يفضي إلى ميناء الفجيرة المطل على بحر العرب خارج المضيق.

ووفقاً لتقرير مجلة «ميد»، استفادت السعودية من شبكتها القائمة لتقليل أثر إغلاق المضيق، حيث استُخدم خط الأنابيب الشرقي‑الغربي التابع لشركة أرامكو بأقصى طاقته خلال الأزمة. وأشار الرئيس التنفيذي لأرامكو، أمين الناصر، إلى أن هذا الخط كان عنصراً محورياً في الحفاظ على مرونة الإمدادات النفطية السعودية، ومثّل دعامة أساسية لحماية الأسواق العالمية من اضطرابات مفاجئة.

من جانبه، صرّح وزير الدولة للتجارة الخارجية الإماراتي، ثاني بن أحمد الزيودي، لوكالة «بلومبرغ» بأن الدولة تسعى إلى تحقيق «اعتماد صفري» على مضيق هرمز، مشدداً على أن خطط تطوير الموانئ والمسارات اللوجستية البديلة ستستمر بغض النظر عن أي تحسينات أمنية قد تُعيد فتح المضيق.

في المقابل، اضطرت كل من الكويت وقطر والبحرين والعراق إلى خفض صادراتها بشكل حاد نظراً لاعتمادها شبه الكامل على الممر المائي. وأظهر تحليل أعدته وكالة «رويترز» أن الكويت وقطر لا تمتلكان مسارات تصدير مستقلة خارج هرمز، ما يجعل أي استراتيجية لتجاوز المضيق مرتبطة بمشروعات إقليمية مشتركة أو بالاعتماد على البنية التحتية في الدول المجاورة.

الكويت بين الانكشاف والضغط المالي

تصدرت الكويت قائمة أكثر الدول الخليجية تضرراً من إغلاق الملاحة في المضيق. وفقاً لبيانات تتبع ناقلات النفط التي نشرتها وكالة «بلومبرغ»، انخفضت صادرات الكويت إلى الصفر في أبريل، بعد أن كانت تتجاوز مليوني برميل يومياً قبل اندلاع النزاع. وللمرة الأولى منذ حرب التحرير عام 1991، أعلنت مؤسسة البترول الكويتية حالة «قوة قاهرة» في عقود التصدير، وهو إجراء استثنائي يعكس خروج الظروف عن سيطرة المُصدّر.

أشار كبير اقتصاديي الطاقة في وكالة الطاقة الدولية، تيم غولد، إلى أن غياب مسارات تصدير بديلة يجعل اقتصادات الكويت والعراق أكثر عرضة لتداعيات أي اضطراب طويل الأمد في المضيق. كما توقعت وكالة التصنيف الائتماني «S&P» أن يشهد الاقتصاد الكويتي انكماشاً ملحوظاً في الفترة المقبلة، مع ارتفاع العجز المالي الحكومي إلى نحو خمسة عشر بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2027، وزيادة الدين العام إلى أربعين بالمائة من الناتج المحلي بنهاية العقد، مقارنةً بحوالي تسعة عشر بالمائة حالياً.

تكلفة بناء البدائل مقارنة بخسارة الاعتماد على هرمز

رغم أن دول الخليج تملك القدرة المالية على تمويل مشاريع البنية التحتية الجديدة، فإن السؤال الأساسي اليوم لا يتعلق بالقدرة على الدفع بقدر ما يتعلق بحجم الفاتورة المطلوبة. إن إنشاء بدائل حقيقية لمضيق هرمز لا يقتصر على تمديد خطوط الأنابيب، بل يتضمن بناء موانئ تصدير ومرافق تخزين استراتيجية، وممرات لوجستية، وشبكات نقل بري عابرة للحدود. ما كانت في السابق تُصنّف كخطط تنمية طويلة الأجل، صارت الآن تُعامل كاستثمارات في الأمن الاقتصادي وأمن الطاقة.

من بين المشاريع التي عادت إلى صدارة النقاش مشروع «الخط الخليجي السريع»، الذي يهدف إلى ربط حقول جنوب العراق بسواحل بحر العرب عبر الكويت والسعودية والإمارات، بطاقة تصل إلى عشرة ملايين برميل يومياً، وتُقدّر تكلفته بحوالي خمس وخمسين مليار دولار.

كما يبرز مشروع خط أنابيب البصرة‑العقبة، الذي يسعى لنقل النفط العراقي إلى ميناء العقبة الأردني على البحر الأحمر، بتكلفة تُقارب عشرة مليارات دولار وسعة تصميمية تبلغ مليون برميل يومياً. إضافة إلى ذلك، يناقش خبراء الطاقة مشروع نقل النفط من جنوب العراق إلى ميناء الدقم العماني، وهو ما يزال في مرحلة الدراسة لكنه يعكس حجم التحولات الاستراتيجية الجارية في المنطقة.

مشروعات الإمارات كأصول استراتيجية

أعادت الأزمة تسليط الضوء على مشاريع كانت تُصنّف سابقاً كخطط تنمية طويلة الأجل، وأبرزت الإمارات كنموذج متقدم في هذا الصدد. خط أنابيب حبشان‑الفجيرة، الذي دخل الخدمة عام 2012 بتكلفة تقارب ثلاثة مليارات وثلاثمائة مليون دولار، أصبح اليوم أحد أهم عناصر أمن الطاقة الإماراتي، حيث يخفّف الاعتماد على مضيق هرمز. ومن المتوقع أن يُعزز خط أنابيب جديد بين جبل الظنة والفجيرة، الذي ستديره «أدنوك» ويُعَدّ للتشغيل في عام 2027، مكانة الإمارة كمركز تصدير بديل للأسواق العالمية.

في الوقت ذاته، عاد مشروع سكة الحديد الخليجية إلى الصدارة باعتباره ليس مجرد مشروع نقل وتنمية بل أيضاً وسيلة لتقليل الاعتماد على المسارات البحرية المعرضة للتوترات الجيوسياسية، وضمان استمرارية تدفق السلع بين دول المجلس حتى في أوقات الأزمات.

دور الصناديق السيادية في تمويل البنية التحتية

وفقاً للمركز العربي في واشنطن دي سي، من المتوقع أن تعيد صناديق الثروة السيادية الخليجية توجيه جزء من استثماراتها الخارجية نحو مشاريع البنية التحتية المحلية والإقليمية، لا سيما تلك المتعلقة بالنقل والطاقة والربط اللوجستي، وعلى رأسها مشروع سكة الحديد الخليجية.

تتمتع الكويت بميزة فريدة في هذا السياق، حيث تجاوزت أصول صندوق «الأجيال القادمة» تريليون دولار، أي ما يعادل أكثر من ستة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. هذه الثروة الضخمة تمنح الكويت مرونة مالية تسمح لها بتمويل الإنفاق الحكومي حتى في حال توقف الصادرات لفترات طويلة، ما يتيح لها القدرة على تمويل مشاريع البنية التحتية الاستراتيجية المطلوبة في المستقبل.

في الختام، أظهرت أزمة هرمز أن تكلفة بناء البدائل قد تكون مرتفعة، لكن تكلفة غيابها قد تكون أعلى بكثير. وبينما تستعد دول الخليج لتخصيص مليارات الدولارات لمشروعات النقل والطاقة والتجارة، تدخل المنطقة مرحلة جديدة تسعى إلى تقليل الاعتماد على مضيق هرمز وإعادة رسم شرايين الاقتصاد الخليجي لعقود مقبلة. وإذا كانت الإمارات قد أعلنت سعيها الواضح إلى «اعتماد صفري» على المضيق، فإن باقي دول المنطقة تواجه الآن سؤالاً مماثلاً: ما مقدار ما ستنفقه على بناء البدائل، وما هي تكلفة الاستمرار في الاعتماد على هرمز فقط؟

اخبار الكويت ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة الكويتية و الخليجية و العربية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة.

اخبار تهمك