القراءة وسيلة للنجاة في زمن الحروب والأوبئة: بحث عن المعنى وسط الخراب
لنتوقف ملياً أمام فكرة جوهرية تحتاج إلى معالجة جادة ومنطقية: ما المعنى الحقيقي للقراءة في زمن تشتعل فيه الحروب وتتفشى الأوبئة؟ وما جدوى فعل القراءة أصلاً؟ هذا السؤال شاق، والإجابة عنه أشق، وقليلون هم من يتعاملون مع هذه القضية بعمق حقيقي.
كثيراً ما نضيع في البحث عن المعنى، ولعل الحروب والكوارث والأوبئة تمثل الخرائط الأكثر قسوة التي تقودنا إلى فهم حقيقة الإنسان. فعندما تظهر الحرب عن أنيابها، أو ينتشر الوباء متجاوزاً كل الحدود ومتحدياً كل القوى، يعود السؤال الذي غاب عنا طويلاً: ما فائدة القراءة؟ وأين يقف الإنسان إزاء كل هذا الدمار؟
القراءة ليست ترفاً نخبوياً
قد يبدو أحياناً أن الثقافة والقراءة شأن خاص بالنخبة فقط، وأن الكتب لا تحتل مكاناً في أولويات البشر اليومية. لكن، ما إن تضيق الحياة بنا وتنهار الأنظمة الأساسية وتفشل الإجابات الجاهزة في تفسير الألم، حتى نعود إلى الكتاب أو إلى فعل القراءة، باعتبارها محاولة أخيرة للنجاة، أو شكلاً من أشكال الهروب النبيل من قسوة العالم.
إن الحروب والأزمات تعيد تعريف حاجة الإنسان إلى المعنى. وتظهر الكتب وفعل القراءة ليسا مجرد ترف ثقافي، بل أداة للحفاظ على التماسك الداخلي. فالإنسان عندما يفقد قدرته على تفسير ما يحدث حوله، يبدأ بالبحث عن قصة أو فكرة أو جملة واحدة تمنحه القوة للاستمرار.
البحث عن معنى في أحلك الظروف
يكتب الطبيب فيكتور فرانكل عن تجربته في معسكرات الاعتقال النازية: «إن أعظم مهمة لأي إنسان تتمثل في أن يجد معنى في حياته». تجربة السجن هي تجربة مريرة وقد تضاهي تجربة الحرب والأوبئة كونها مواجهة مباشرة بين الإنسان وهشاشته الداخلية. لذلك يستطيع الإنسان النجاة بنفسه حتى في أكثر الظروف وحشية، حين يجد السبب الداخلي الذي يبقيه على الاستمرار.
كثيراً ما تأسرني قصة الصحافي والكاتب الفرنسي جان دومينيك بوبي، الذي أصيب بشلل كامل في الجسد في عمر الثالثة والأربعين. لم يتبق له سوى القدرة على تحريك جفنه الأيسر. كان جسده كله سجناً مغلقاً، لكنه كتب روايته الشهيرة (بذلة الغوص والفراشة) عبر رمشات عينه فقط، حتى قيل أنه كتبها بـ 200 ألف إغماضة. إنها المحاولة الملهمة رغم الخراب الذي أصاب جسده ليقول: مازلت إنساناً، ومازال بداخلي عالم كامل.
خطر النخبة الزائفة في الفضاءات الإلكترونية
تمتلئ الفضاءات الإلكترونية اليوم بـ«أشباه المثقفين» ومن يقدمون أنفسهم باعتبارهم «نخبة» هم من يقودون المشهد، وهم من يؤثرون على وعي الناس «حسب ما يدعون والسبب فقط لأنهم يمتلكون أعداداً كبيرة من «المتابعين»، ويتكلمون وينظرون كأنما هم أوصياء على عقولنا وأدمغتنا! لكنها محاولة غير صحية من المجتمع الذي يحاول البحث عن اليقين خلال هذه الحروب والأوبئة. فالإنسان لا يحتاج دائماً إلى إجابة جاهزة، بقدر حاجته إلى الأدوات التي تحمي عقله من التلاعب السياسي والثقافي، وإلى قارب نجاة صغير يمنعه من الغرق الكامل. وهنا تحديداً يظهر فعل القراءة.
الكتاب حاضر رغم القصف
وربما لهذا السبب تحديداً لا تختفي الكتب في الأزمنة الصعبة. وحتى في أشد لحظات الحرب قسوة، تحترق مكتبة أو تقصف مكتبة لتحمينا نحن، ففي اللحظات التي يفقد فيها العالم منطقه تصبح القراءة محاولة الإنسان الأخيرة لكي لا يفقد نفسه.
اخبار الكويت ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة الكويتية و الخليجية و العربية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة.
