نحو فهم أعمق للفتوحات الإسلامية: إعادة قراءة التاريخ بعيداً عن إسقاطات الحاضر

نحو فهم أعمق للفتوحات الإسلامية: إعادة قراءة التاريخ بعيداً عن إسقاطات الحاضر

الفتوحات الإسلامية في سياق صراع الإمبراطوريات

لفهم طبيعة الفتوحات الإسلامية بشكل أدق، ينبغي النظر إليها من زاوية الصراع بين الإمبراطوريات المتنافسة آنذاك، وهي الإمبراطوريات العربية والفارسية والرومانية. فالجيوش العربية لم تكن تخوض حروباً ضد شعوب بسيطة أو سكان محليين أو أتباع أديان، بل كانت تواجه قوات عسكرية تابعة لإمبراطوريات قائمة. فعندما تحرك القائد عمرو بن العاص بجيوشه نحو مصر، كان يتحرك في الواقع وفق منطق الإمبراطورية السائد في ذلك العصر، إذ لم يكن يحارب أهالي مصر العاديين أو المسيحيين فيها، بل كان يواجه جيوش الإمبراطورية الرومانية المتمركزة على أرض مصر.

بناءً على ذلك، لم يتعامل أهالي مصر والأقباط مع جيوش عمرو بن العاص بوصفهم غزاة جدد، بل نظروا إليهم كقوة جديدة قد تكون أقل قسوة من القوة القديمة التابعة للإمبراطورية الرومانية. هذا الفهم يغير جذرياً طريقة النظر إلى تلك الفترة التاريخية.

الإمبراطورية ومنطق الهيمنة: الفرق الجوهري عن الدولة القومية

في كتابه المعنون “الإمبراطوريات، منطق الهيمنة العالمية من روما القديمة إلى الولايات المتحدة الأمريكية”، يوضح الباحث الألماني في العلوم السياسية هيرفريد مونكلر الفروق الجوهرية بين الإمبراطورية والدولة، قائلاً: “ليس هناك إمبراطورية تستطيع اتخاذ موقف حيادي إزاء القوى التي تنتمي إلى مجال نفوذها. وتأسيساً على ذلك، فإن الإمبراطورية مجبولة بقوة على عدم الاعتراف بحق هذه القوى في التدخل في شؤونها بنحو يماثل تدخلها. هذا الموقف الحيادي موجود فقط في إطار نظام عالم يتصف بنموذج الدول ذات السيادة”.

العالم القديم كان محكوماً بمنطق الإمبراطورية، وهذا التفريق حاسم جداً لفهم الفتوحات الإسلامية. فالتوسع بالنسبة للإمبراطوريات الكبرى لم يكن استثناءً بل شرطاً للبقاء في عالم كان يعد مجالاً مفتوحاً للصراع على النفوذ والهيمنة، وبالدرجة الأولى صراعاً على البقاء والاستمرارية. ومن الخطأ النظر إلى التوسع الجغرافي وفق منطق الإمبراطورية بنظرة أخلاقية مبسطة، إذ كان التوسع في العصور القديمة – أحياناً – ضرورة بنيوية لحماية الأطراف أو لمنع صعود المنافسين، فالقوة التي تتعامل بمبدأ الحياد كانت تتعرض للانكماش والتقهقر.

إسقاط مفاهيم الحاضر على الماضي: سؤال غير واقعي

عندما نطرح سؤالاً ساذجاً من قبيل: لماذا لم يلتزم المسلمون بحدودهم؟ فإننا في الحقيقة نسأل سؤالاً حديثاً يصلح للمجتمعات المعاصرة، ونقوم بإسقاط مفاهيم الحاضر على عالم لم يكن يعرف أصلاً فكرة الحدود النهائية الثابتة. الجيوش الإسلامية عندما تحركت تجاه الشام كانت تواجه حاميات وجيوشاً ونظاماً ضريبياً وإدارة إمبراطورية قائمة، أي أن السكان المحليين لم ينظروا إلى الجيوش الإسلامية كغزاة غرباء، بل كقوة جديدة قد تحررهم من القوة السابقة. وبالتالي، لم تواجه الجيوش العربية مقاومة شعبية بالمعنى المتعارف عليه في المجتمعات الحديثة.

الفتوحات الإسلامية: مشروع حضاري متعدد الأعراق

كانت الفتوحات الإسلامية مشروعاً حضارياً شاملاً نشأ داخل عالم الإمبراطوريات الكبرى، لكنها اختلفت عن الإمبراطوريات الأخرى (الرومانية والفارسية) من ناحية مصدر الشرعية والرؤية الكونية. فالفتح الإسلامي المبكر حمل تصورات مختلفة نسبياً، حيث كان الانتماء فيه دينياً لا عرقياً، إذ يمكن للعربي وغير العربي – نظرياً – أن يصبحا جزءاً من الأمة نفسها. كانت الأهداف الرئيسة هي نشر العقيدة الدينية الجديدة، وما تحقق بعد ذلك من مكاسب سياسية واقتصادية كان مجرد نتائج تحققت بالتبعية.

لقد شكلت الإمبراطورية الإسلامية فضاءً حضارياً متعدد الأعراق والأديان، ومنتجة للعلم والمعرفة والهندسة المعمارية، وصنعت مزيجاً ثقافياً فريداً وتراكماً حضارياً وشبكات معرفة واسعة، شاركت فيه شعوب ذات أصول ثقافية وعرقية مختلفة. وفي الختام، لا يمكن فهم الفتوحات الإسلامية بأدوات وعقلية المجتمعات المعاصرة أو باعتبارها رسالة روحية خالصة، بل ينبغي النظر إليها باعتبارها ظاهرة دينية حضارية، تشكلت داخل نظام عالمي يحركه منطق الإمبراطورية، حيث كان التوسع والقوة جزءاً من طبيعته وتكوينه.

اخبار الكويت ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة الكويتية و الخليجية و العربية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة.

اخبار تهمك