من مدرسة كريل إلى الجامعات الفرنسية: جدل الحجاب الممتد لأكثر من ثلاثة عقود
بداية الجدل: حادثة كريل 1989
في خريف عام 1989، رفضت ثلاث طالبات مسلمات خلع حجابهن داخل صف بمدرسة “غابرييل-هافيز” الإعدادية بمدينة كريل شمالي باريس. أدى رفضهن إلى طردهن من المدرسة في أكتوبر/تشرين الأول 1989. أثار الحادث نقاشاً واسعاً حول ارتداء الرموز الدينية في الفضاء العام، واعتُبر نقطة انطلاق لجدل استمر عقوداً.
الإعلام الفرنسي وتصور الهوية الإسلامية
وفقاً للكاتب الفرنسي توماس ديلتومب، فإن جذور التحول في النظرة إلى المسلمين تعود إلى طريقة تناول الإعلام الفرنسي للإسلام منذ سبعينيات القرن الماضي. في كتابه “الإسلام المتخيل: البناء الإعلامي للإسلاموفوبيا في فرنسا 1975-2005″، الصادر عام 2005، درس ديلتومب طريقة تناول الإعلام الفرنسي للإسلام خلال تلك الفترة.
وأوضح ديلتومب في حديثه للأناضول أن الإسلام لم يكن يحظى باهتمام كبير في الإعلام الفرنسي حتى سبعينيات القرن الماضي، عقب استقلال الجزائر عام 1962. بدأ الاهتمام يتزايد مع الحديث عن العمال الأجانب القادمين إلى فرنسا، وبينهم أشخاص من دول ذات أغلبية مسلمة، إذ ركزت وسائل الإعلام على ثقافاتهم وأنماط حياتهم، وأجرت مقابلات بشأن الإسلام في البلاد. لكنه يرى أن ثمانينيات القرن الماضي شهدت “تحولاً جذرياً” شكّل بداية لمشكلة لا تزال قائمة حتى اليوم. وقال: “في ثمانينيات القرن الماضي، أصبح الإعلام الفرنسي يهتم بالهوية الإسلامية للمسلمين أكثر من أي هوية أخرى، وأنا أسمي ذلك إسلامنة النظرة إليهم”. وأضاف أن صحفيين ومديري وسائل إعلام وسياسيين بدأوا خلال تلك المرحلة اختزال المسلمين في “هويتهم الإسلامية” وحدها.
وأشار ديلتومب إلى تزايد المقابلات التلفزيونية المتعلقة بارتداء الحجاب في تلك الفترة، معتبراً أن قضية الكاتب سلمان رشدي وكتابه “آيات شيطانية*، وما أثارته من جدل واسع، ثم ما عُرف في فرنسا بقضية “الشادور” الإيراني، أسهما في جعل غطاء الرأس قضية إعلامية وسياسية بارزة. وقالت إن وسائل الإعلام، ولا سيما التلفزيون، بدأت بعد ذلك بأشهر بث تقارير ومقابلات على مدى أسابيع بشأن ما سمته “قضية الشادور” و”قضية الحجاب”. وأوضح أن الاهتمام الإعلامي تركز في أكتوبر/تشرين الأول 1989 على الطالبات الثلاث في مدرسة “غابرييل-هافيز” بمدينة كريل، لتصبح الواقعة لاحقا معروفة باسم “حادثة كريل”. وقال ديلتومب إن القضية تحولت إلى “مسألة وطنية ونقاش وطني استمر أشهرًا”، وفتحت الطريق أمام جدل استمر عقودا بشأن ارتداء الرموز الدينية الإسلامية في الفضاء العام الفرنسي. ويربط ديلتومب هذا التحول بتغيرات شهدتها فرنسا آنذاك على الصعيدين الإعلامي والسياسي، مشيراً إلى ظهور قنوات تلفزيونية خاصة واشتداد المنافسة بينها، ما دفع بعضها إلى البحث عن موضوعات مثيرة للجدل. وتزامن ذلك، بحسب ديلتومب، مع صعود اليمين المتطرف وقبول سياسيين فرنسيين فتح نقاش بشأن الهوية الفرنسية. كما تصاعد حضور العلمانية في النقاش العام، وقال ديلتومب إن عدداً من المسؤولين الاشتراكيين قدموا ارتداء الحجاب على أنه يتعارض معها. وأضاف: “باختصار، كان الرأي السائد لدى اليسار واليمين هو أن ارتداء الحجاب في المدارس الحكومية يتعارض مع العلمانية”. لكنه أكد أن القوانين الفرنسية النافذة في ثمانينيات القرن الماضي لم تكن تعتبر الحجاب بحد ذاته مخالفا للعلمانية، وأن قرار مجلس الدولة عام 1989 أكد أن ارتداء الرموز الدينية لا يشكل في حد ذاته انتهاكا لهذا المبدأ. وأوضح أن القرار لم يلق قبولا لدى بعض السياسيين من اليسار واليمين، وأن محاولات بدأت لاحقا للالتفاف عليه. وأشار إلى أن وزير التعليم آنذاك فرانسوا بايرو أصدر عام 1994 تعميماً بشأن الرموز الدينية في المدارس الحكومية. وقال ديلتومب إن التعميم لم يذكر كلمتي “مسلم” أو “حجاب” بشكل مباشر، لكنه رأى أن الرسالة كانت واضحة، مضيفاً: “كان الهدف هو حظر الحجاب في مؤسسات التعليم العام في فرنسا”.
التشريعات المتتالية: من قانون 2004 إلى حظر الوجه 2010
في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 1989، أصدر مجلس الدولة الفرنسي قراراً رأى أن ارتداء الطلاب لرموز تدل على انتمائهم الديني لا يتعارض بحد ذاته مع مبدأ العلمانية. ومع ذلك، استمر الجدل وتم تبني قانون 15 مارس/آذار 2004 الذي يحظر في المدارس الحكومية ارتداء الرموز أو الملابس التي تظهر بوضوح الانتماء الديني، وقد استهدف الحجاب الإسلامي بصورة خاصة في النقاش العام، رغم أن نص القانون لم يذكر الإسلام أو الحجاب بالاسم. دخل القانون حيز التنفيذ مع بدء العام الدراسي 2004-2005.
في عام 2010، وسّع المشرّع الفرنسي نطاق القيود بإقرار قانون يحظر إخفاء الوجه في الأماكن العامة، مع فرض غرامة تصل إلى 150 يورو على المخالفين. وبعد ذلك، امتد الجدل إلى أمهات محجبات يرافقن أبناءهن في الرحلات المدرسية، وتدخل مجلس الدولة عام 2013 لصالح حقهن في ارتداء الحجاب.
الجدل الحالي: توسيع الحظر إلى الجامعات والفضاء العام
مع استضافة فرنسا دورة الألعاب الأولمبية في 2024، منعت السلطات الرياضية الفرنسية أفراد بعثتها من ارتداء الحجاب أثناء المنافسات. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على “حادثة كريل”، عادت القضية إلى الواجهة مع مقترحات من اليمين المتطرف لتوسيع نطاق حظر الحجاب ليشمل الفضاء العام بأكمله.
أعلن مسؤولون في حزب “التجمع الوطني” اليميني المتطرف أنهم سيُفرضون، في حال فوزهم بالانتخابات الرئاسية المقررة عام 2027، حظراً على ارتداء الحجاب في الأماكن العامة، مع فرض غرامات على المخالفين، مشيرين إلى اعتزامهم طرح المسألة عبر استفتاء. كما صرح برونو ريتايو، مرشح حزب الجمهوريين (يمين الوسط) في الانتخابات الرئاسية الفرنسية لعام 2027، بأنه سيحظر ارتداء الحجاب في الجامعات حال فوزه بالانتخابات.
اخبار الكويت ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة الكويتية و الخليجية و العربية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة.
