في حلب.. أب وابنته يعيدان حياة السجاد العتيق

ورشة ترميم السجاد في حلب
في ورشة متواضعة بمدينة حلب، يعمل عمر الرواس وابنته ميسم، البالغة من العمر 17 عاماً، على ترميم قطع سجاد ومنسوجات يدوية عريقة أنهكتها السنوات والحرب، في محاولة للحفاظ على إرث ثقافي تتوارثه الأجيال.
لا يقتصر عملهما على رتق خيوط السجاد البالية، بل يتجاوزه إلى “رتق ذكريات” عائلية وتضميد جراح مدينة أنهكتها سنوات الحرب، وإعادة الحياة إلى مقتنيات عائلية تختزن ذكريات أصحابها.
ميسم الرواس: شغف فني وغرزة تُضمّد
بدأت ميسم، التي تتلقى تعليماً فنّياً، العمل في الورشة بدافع شغفها بالمهارة التي تعلمتها من والدها، لتصبح الحرفية الوحيدة في العائلة التي تواصل هذا العمل.
تقول ميسم لمراسل الأناضول إنها استهلت تجربتها بترميم سجادة حريرية من نوع “أوبوسون»، يعود عمرها إلى 120 عاماً.
وتضيف: “مع كل غرزة أصلحها، أضمد جراح الناس”.
تشير إلى أن أصعب مرحلة في الترميم هي إيجاد خيوط قديمة تتطابق ألوانها تماماً مع ألوان النسيج الأصلي، لذا فإنهم يخلطون خيوطاً صوفية بألوان مختلفة لتقريب اللون المطلوب.
تسعى ميسم إلى ترك أثر طيب ودائم لدى أصحاب السجاد، نظراً لما تحمله هذه القطع من ذكريات شخصية وعائلية.
وتقول: “عانت حلب آلاما وأزمات كبيرة. عندما أرمّم هذه القطع، أترك أثرًا إيجابيًا في أذهان الناس وقلوبهم، وكأنني أضمد جراحهم. لدى الناس ذكريات في هذه السجادات، وفي كل غرزة ذكرى مخبأة”.
في ظل اتجاه العديد من الشباب نحو التكنولوجيا، تمسكت ميسم بتاريخ مدينتها وثقافتها، وأعربت عن رغبتها في تدريس هذا الفن للأجيال القادمة على المستوى الأكاديمي لمنع اندثاره.
عمر الرواس: إرث يدوي يتحدى الزمن
استمر عمر الرواس في مهنته لمدة 42 عاماً، معتبراً إياها إرثاً عائلياً يتحدى مرور الزمن والصعاب.
ويقول الرواس إنه قرر نقل هذا الفن لابنته بعد أن لمس شغفها بالفن والنسيج، لتشاركه العمل على قطع سجاد تاريخية يتراوح عمرها بين 150 و170 عاماً.
ويضيف: “يزداد شغفي بهذه المهنة كلما أكون في الورشة أو أعكف على ترميم السجاد القديم. ينبغي للعاملين المشتغلين بالحرف اليدوية والتقليدية والفن والثقافة أن يحبوا مهنتهم”.
يقوم الأب وابنته بإصلاح السجاد المتضرر من الحرب أو الذي تدهور بسبب التخزين غير الملائم، بهدف استعادة شكله وإطالة عمره.
ويصف الرواس تأثير عملهما قائلا: “عندما نرمم السجاد الذي تحول إلى أنقاض وسط الحرب، نشعر وكأن الإنسانية والمباني الحجرية المدمرة تعود إلى الحياة من جديد”.
لم تقتصر شهرة الورشة على سوريا فقط، بل جذبَت عملاءً من دول مثل سويسرا والولايات المتحدة، الذين يجلبون سجاجيدهم التاريخية خصيصاً لإصلاحها لدى الرواس.
ويختم الرواس حديثه قائلا إن “إعادة إحياء ذكريات أصحاب السجاد تمنحنا سعادة كبيرة. فالناس الذين يعودون إلى منازلهم المدمرة يستعيدون ذكرياتهم المرتبطة بالسجاد الذي نُرمّمه”.





