احتجاجات متزايدة في خمس دول أوروبية بسبب المطالب المعيشية والسياسات المالية

محتوى الاحتجاجات ومطالبها
تتقاطع مطالب زيادة الأجور وتحسين التعليم وتوفير السكن مع خلافات حول الموازنات وأولويات الإنفاق في فرنسا والبرتغال وبلجيكا وإيطاليا وألبانيا، مما يدفع فئات اجتماعية متنوعة إلى النزول إلى الشوارع. وترى الاحتجاجات أن سياسات التقشف وتوجيه الموارد نحو الإنفاق العسكري والأمني تقلل من القدرة على تلبية الاحتياجات الاجتماعية ورفع تكاليف المعيشة.
تطورات الوضع في كل دولة
في فرنسا، قدر الاتحاد العام للعمل “سي جي تي” عدد المشاركين في احتجاجات السبت بنحو 800 ألف شخص، بعد أن اجتمعت المطالب الطلابية والمعيشية مع الاعتراض على مشروع موازنة 2027. ودعا الاتحاد إلى زيادة الأجور والمعاشات والمساعدات الاجتماعية ورفض إجراءات مالية يرى أنها ستزيد الضغط على الخدمات العامة. ومن جانب الحكومة، يتضمن مشروع الموازنة إجراءات لضبط المالية بقيمة 54 مليار يورو لخفض العجز إلى 5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، بينما تدافع عن المشروع بأنه يحافظ على الإنفاق ذي الأولوية رغم ارتفاع أعباء الدين.
في البرتغال، قدمت الحكومة مشروع موازنة 2027 وحددت الحد الأدنى الوطني للأجور عند 970 يورو للعام المقبل، بينما يطالب الاتحاد العام للعمال برفعه إلى 1100 يورو وبزيادة عامة للأجور بنسبة 15 بالمئة وبلا أقل من 150 يورو. وترجمت هذه المطالب إلى مظاهرات في لشبونة وبورتو وكويمبرا شارك فيها آلاف العمال. وخلال مظاهرة لشبونة تساءل الأمين العام للاتحاد عن إمكانية العيش براتب ألف يورو مع إيجار يتراوح بين 800 و900 يورو إضافة إلى الوقود والسلع الأساسية. وارتفعت أسعار شراء المساكن في البرتغال خلال الربع الثاني من 2026 بنسبة 16.5 بالمئة على أساس سنوي، مقابل متوسط أوروبي بلغ 4.7 بالمئة وفق يوروستات.
في بلجيكا، حذر الاتحاد العام للعمل “إف جي تي بي” من تحميل العاملين والمتقاعدين أعباء إضافية لسداد عجز الموازنة، وشهدت بروكسل في 9 أكتوبر مظاهرة شارك فيها نحو 30 ألف شخص من عمال وموظفين وتلاميذ وطلاب بدعوة من تحالف النقابات العمالية وأحزاب سياسية. وحدد الاتحاد اعتراضاته على المساس بآلية ربط الأجور بالأسعار، واحتمال زيادة ضريبة القيمة المضافة، وتقليص الخدمات الصحية وتغيير تنظيم وقت العمل، مقترحا مساهمة أكبر من الثروات الكبيرة وعائدات رأس المال مع التلويح بإضراب عام إذا تجاوزت الحكومة ما وصفها بـ”الخطوط الحمراء”.
في إيطاليا، جمعت دعوة تحالف “الطريق الرئيسي” الذي يضم نقابة “سي جي آي إل” وأكثر من مئة جمعية إلى مسيرة روما في 17 أكتوبر بين المطالب الاجتماعية ورفض تحويل الاقتصاد إلى “اقتصاد حرب”. وشملت المطالب زيادة الأجور ومواجهة عدم استقرار العمل والدفاع عن الخدمات العامة ونظام ضريبي تصاعدي. وشهدت عدة مدن إيطالية في السبت مسيرات واحتجاجات واسعة النطاق ضد ارتفاع تكاليف المعيشة وغلاء الأسعار وتراجع الرعاية الصحية العامة. وانتقد رئيس إقليم ليغوريا ماركو بوتشي عرض دمى وصور لرئيسة الوزراء جورجيا ميلوني ووزير التعليم جوزيبي فالديتارا مقلوبة خلال احتجاج في جنوة، معتبرا ذلك تجاوزا للحدود رغم تأكيده حق التظاهر.
في ألبانيا، شهدت العاصمة تيرانا السبت يوما خامسا من المواجهات بين متظاهرين وقوات الأمن، مع مطالبة المحتجين باستقالة رئيس الوزراء إيدي راما الذي تعهد الاستماع لمطالبهم لكنه حذر من تعريض البلاد للخطر. ويرتبط جانب من التصعيد بالخلاف حول مشروعات سياحية في جزيرة سازان ومنطقة زفيرنيتس الساحلية وما يحيط بها من نزاعات تتعلق بالملكية والبيئة والشفافية. ونفى راما في بيان بتاريخ 15 يونيو أن تكون جزيرة سازان معروضة للبيع، موضحا أن الصيغة المقترحة تقوم على مشاركة الدولة في الاستثمار مع احتفاظها بملكية الجزيرة. وأقر بوجود مطالبات متنازعة بملكية أراض معروضة على القضاء، ودافع عن الإجراءات الحكومية والبيئية المتبعة. ثم أعلن في 3 أكتوبر إطلاق منصة لنشر وثائق الملف بدفع من احتجاج بدأ مطلع يونيو. ومع المواجهات الأخيرة، أدانت وزارة الداخلية الاعتداءات على عناصر الشرطة والممتلكات، مؤكدة أن حق الاحتجاج السلمي لا يبرر العنف، بينما فتح تحقيق بعد ظهور فيديو لشاب مصاب في ساقه أثناء اقتياده قرب البرلمان، وأوقف أربعة عناصر ومسؤول للنظام العام عن العمل مع بدء تحقيق تأديبي وتحقيق بالتعاون مع النيابة.
توقعات ومواقف الخبراء
يرى الخبير في الشؤون الأوروبية والدولية حسام شاكر أن أزمات متراكمة تفسر انتقال الاحتجاجات من مطالب فئوية إلى تحركات أوسع، وأن استجابة الحكومات عاملا حاسما في تحديد مسارها. ويضيف أن ارتفاع الإنفاق العسكري والدفاعي والأمني يقابله تضاؤل القدرة على تلبية الاحتياجات الاجتماعية ودعم تكاليف المعيشة. ويرى أن خروج فئة للاعتراض على قضية مطلبية محددة قد يحرك فئات أخرى، مستشهدا بتحركات تلاميذ الثانويات في فرنسا واتساع المشاركة بعدها. ويشير إلى أن منصات التواصل تتيح تنسيقا أسرع للمجموعات الشبابية حتى دون وجود أطر نقابية تقود تحركاتها، لكنه يحذر من أن طغيان مشاهد الصدام والغاز والأدخنة دون سياقات كافية قد يؤدي إلى “تشكيل صور مجتزأة عن الواقع”. ويؤكد أن التفاوض يواجه عقبة غياب وجود ممثلين حقيقيين وواضحين للمشهد الجماهيري، وأن تخفيف التوتر يتطلب حماية الاحتجاج السلمي واستجابات عملية للمطالب ومراجعة ما يعتبره اختلالا في أولويات الإنفاق.
من جهتها، تربط أستاذة القانون الدولي بجامعة كنت في المملكة المتحدة شهد الحموري الاحتجاجات بواجبات الدول في حماية الحقوق الاقتصادية والسياسية، وتشد على أهمية الحلول السلمية. وتقول إن على الدولة واجب حماية الحقوق الاقتصادية للمواطنين من خلال ضمان الحياة الكريمة والحق في التعليم، وتتفاوت الحصول على الخدمات خصوصا لدى الأسر الأقل دخلا وذوي الخلفيات المهاجرة ما يعكس تقصيرا في الوفاء بهذه الواجبات. وتضيف أن حق التعبير عن الرأي ومحاسبة السلطات ضمن الحقوق السياسية التي تتيح للمواطنين الاعتراض عندما لا تفي الدولة بالتزاماتها، وتشدد على ضرورة اللجوء إلى وسائل سلمية مثل التفاوض مع ممثلي المتظاهرين ومحاولة الوصول إلى حلول، وترى أن عنف الشرطة يتجه عادة بصورة أكبر نحو الفئات ذات الخلفيات المهاجرة وأبناء الطبقات الفقيرة.
وبالنسبة للتحركات المستقبلية، دعا “سي جي تي” في فرنسا إلى إضراب ومظاهرات في 5 نوفمبر المقبل. وفي البرتغال، حدد الاتحاد العام للعمال تجمعا أمام البرلمان في 24 من الشهر نفسه بالتزامن مع الموعد المتوقع للتصويت النهائي على الموازنة. وفي بلجيكا، أبقى الاتحاد العام للعمل احتمال الإضراب العام في 23 نوفمبر مرتبطا بخيارات الحكومة واستجابتها.





