ثلاثة مسارات مرتقبة للدعم المصري للسعودية.. تفويض رئاسي ينتظر طلب الرياض

فتح تفويض مجلس النواب المصري للرئيس عبد الفتاح السيسي باتخاذ إجراءات دفاعية لحماية السعودية، في حال تقديم الرياض طلباً بذلك، الباب أمام تساؤلات واسعة حول طبيعة الدعم العسكري الذي يمكن أن تقدمه القاهرة. ويأتي هذا التطور في ظل استمرار هجمات جماعة الحوثي على أراضي المملكة، والتي تصاعدت منذ يوليو 2026.
تفويض دستوري بردع لا هجوم
رئيس حزب “الجيل الديمقراطي” وعضو مجلس الشيوخ المصري ناجي الشهابي، قال للأناضول إن “التفويض الممنوح للرئيس السيسي يهدف إلى تمكين الدولة المصرية من تقديم الدعم الدفاعي اللازم للسعودية، ضمن إطار التنسيق بين البلدين الشقيقين، وبما يحفظ سيادة المملكة وأمنها وسلامة أراضيها”. وأكد الشهابي أن “الموقف المصري يقوم على الدفاع وليس الاعتداء”، مشدداً على أن التفويض يعكس عمق العلاقات الاستراتيجية والمصير المشترك بين مصر والسعودية، ويؤكد أن الأمن القومي العربي وحدة لا تتجزأ.
وأضاف الشهابي أن “مصر لا تستهدف الاعتداء على أي دولة عربية، بل تتمسك بحق المملكة في الدفاع عن أراضيها وسيادتها، بالتوازي مع بذل كل جهد ممكن لتجنب اتساع دائرة الصراع”. وأردف: “مصر، بما لها من ثقل إقليمي وتاريخي، مطالبة بمواصلة دورها في الوساطة وتقريب وجهات النظر، والعمل على إرساء تسوية سياسية تحفظ أمن الدول العربية واستقرار شعوبها”.
ثلاثة محاور للتدخل المحتمل
من جانبه، رجّح الخبير العسكري والاستراتيجي، النائب الأسبق لرئيس هيئة الأركان المشتركة للجيش الأردني الفريق قاصد محمود، أن المشاركة المصرية المحتملة، إذا طلبت الرياض ذلك، ستسير عبر ثلاثة مسارات رئيسية. وأوضح محمود في حديثه للأناضول أن هذه المسارات تشمل “تعزيز الدفاع الجوي، وتأمين مواقع ومرافق حيوية ومناطق مقدسة، فضلاً عن إمكانية الجاهزية البحرية لضمان سلامة الملاحة في الممرات الحيوية مثل باب المندب، إذا اقتضت الضرورة ومصالح الأمن القومي المشترك”.
وأشار محمود إلى أن “طبيعة التحديات العسكرية لدى السعودية تتجلى في اتساع رقعتها الجغرافية وتعدد أهدافها الحيوية، التي تقدر بعشرات الآلاف، ما يجعل التغطية الشاملة بشبكات الدفاع الجوي للمنشآت الحيوية بحاجة إلى إمكانيات هائلة لتأمينها”. لكنه استدرك قائلاً: “هناك فرصة أن يتراجع هذا الخطر عن السعودية بعد اجتماع حلف مكة في إيران الاثنين”.
صلاحيات كاملة بانتظار الطلب السعودي
وشدد محمود على أن “هذه الخطوة الدستورية تمنح القيادة المصرية الصلاحيات الكاملة لاتخاذ القرارات المناسبة، وتمكن القوات المصرية من وضع الخطط الاحتياطية وتحديد آليات التدخل وإرسال القطاعات العسكرية، سواء في مجالات الدفاع الجوي أو سلاح الجو أو القوات البحرية، متى طلبت السعودية ذلك، وفقاً لتطورات الأحداث والمخاطر الميدانية”.
وعن النموذج المصري في المشاركة بالدفاع عن الإمارات، قال محمود: “كان رمزياً جداً ولم يصل إلى درجة الانفتاح الكبير، ولكن طالما تم المضي في إجراءات دستورية كاملة بشأن الدفاع عن السعودية، فوارد إرسال قطاعات كاملة، دفاع جوي مثلاً، أو سلاح جو، وهذا وارد تماماً”. واختتم مستدركاً: “لكن مرة أخرى، هذا يعتمد على ما إذا كانت هناك مشكلة أو نقص في المملكة السعودية، أو إذا زادت الأمور وخرجت عن السيطرة”.
وتاريخياً، لعبت الكوادر العسكرية المصرية دوراً محورياً في تأسيس وبناء وتطوير وهيكلة الجيش الإماراتي الناشئ عقب قيام الاتحاد عام 1971، من خلال إرسال المستشارين والضباط والمعلمين لإدارة الكليات والمعاهد العسكرية وتدريب كوادرها. كما نشرت مصر، إبان أزمة الخليج وحرب الكويت (1990-1991)، وحدات وتشكيلات عسكرية داخل الإمارات كإجراء دفاعي وتأميني استراتيجي.
إجراءات برلمانية ودستورية متكاملة
وخلال أيام 18 و19 و26 أكتوبر 2026، بحث مجلس النواب المصري في جلسات سرية دعوة الرئيس السيسي، الصادرة في 17 من الشهر ذاته، إلى انعقاد طارئ للبرلمان لمنحه تفويضاً باتخاذ إجراءات دفاعية لحماية السعودية. وجرت تلك المناقشات في وقت تواصلت فيه هجمات الحوثيين ضد السعودية بصواريخ باليستية وطائرات مسيرة، وأسفرت عن قتلى وجرحى وأضرار مادية. وفي الجلسة الثالثة، أقر البرلمان التفويض، بالتزامن مع استضافة طهران مباحثات لدول “حلف مكة”، وهي السعودية وتركيا وباكستان، ضمن جهود خفض التصعيد الإقليمي ودعم الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، بحسب مصادر سعودية وإيرانية متطابقة.
وحتى اليوم، لم تصدر بيانات عن الحكومة أو القيادة السعودية تعليقاً على قرار البرلمان المصري. لكن البرلمان العربي، الذي يترأسه السعودي سعد العتيبي، أشاد في بيان الثلاثاء بـ”موافقة البرلمان المصري على اتخاذ ما يلزم من إجراءات لدعم المملكة العربية السعودية الشقيقة، دفاعاً عن أراضيها وسيادتها ومقدساتها، في إطار التنسيق والتعاون بين البلدين الشقيقين”. وأكد أن “هذه الخطوة تعكس أصالة التضامن العربي ووحدة الموقف في مواجهة الأزمات والتحديات”.
وكان مجلس الدفاع الوطني المصري أقر قبل نحو أسبوع “تقديم كافة أشكال الدعم اللازمة والممكنة للسعودية للدفاع عن أمنها واستقرارها”. وجاء ذلك غداة إعلان الرئيس المصري، خلال حفل تخرج دفعة جديدة من الأكاديمية العسكرية، أن “القاهرة ستنفذ أي إجراء لحماية أشقائها والدفاع عنهم، وإن كان ذلك يحتاج إلى تفويض من البرلمان”. وأكد السيسي حينها أن “هذا الحديث لا يستهدف الحرب ولا الهجوم، وإنما الدفاع فقط”.
وفي 21 أكتوبر 2026، عاد السيسي ليؤكد أن الجهد العسكري المصري المقترح يقتصر على الدفاع عن أراضي المملكة وحدودها فقط، ولا يشمل شن أي هجوم على اليمن. وفي اليوم ذاته، أجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ورئيس جهاز المخابرات العامة اللواء حسن رشاد، زيارة رسمية إلى الرياض، حيث التقيا ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وقدما خلال اللقاء رسالة من السيسي تتعلق بالتضامن الكامل مع المملكة.





