الجامع الأزرق في القاهرة.. معلم مملوكي تزيّنه لمسات عثمانية

نشر في 30 أكتوبر 2026 – القاهرة – حسين القباني – الأناضول
في قلب القاهرة التاريخية، وتحديداً في منطقة الدرب الأحمر، يقف مسجد يختزل في جدرانه قروناً من التلاقي بين العمارة المملوكية والعثمانية. فالمبنى الذي شُيّد أصلاً في العصر المملوكي اكتسب لاحقاً طابعه الأزرق المميز خلال تجديدات جرت في العهد العثماني، وظل عبر العقود شاهداً على تحولات معمارية وترميمية متعاقبة.
وقد تعرض المسجد لزلزال ضرب القاهرة عام 1992، فألحق به أضراراً أدت إلى إغلاقه، ثم عاد إلى الحياة مجدداً في مايو/أيار 2015 بعد عملية ترميم استمرت 14 عاماً. وفي هذا السياق، يصف كبير الأثريين في مصر مجدي شاكر المسجد بأنه ذو قيمة معمارية وفنية كبيرة، لأنه يجمع بين سمات عصرين تركا أثراً واضحاً في العمارة الإسلامية بمصر.
مبنى يجمع بين عصرين
وفقاً لوزارة السياحة والآثار المصرية، يعود إنشاء المسجد إلى عام 1346، حين أمر بتشييده الأمير آق سنقر الناصري، أحد مماليك السلطان قلاوون. ومع مرور الزمن، صار الناس يطلقون عليه “الجامع الأزرق” بسبب البلاطات الخزفية التي غلب عليها اللون الأزرق، والتي كسيت بها جدران المسجد والمدفن الملحق به.
وللمسجد أسماء أخرى، منها “جامع النور” و“جامع إبراهيم أغا”. والأخير يعود إلى الأمير العثماني إبراهيم أغا، الذي تولى إجراء تجديدات وتوسعات في المسجد عام 1651. وشملت هذه التجديدات إضافة بلاطات خزفية زرقاء إلى جدار القبلة، صُنعت خصيصاً في تركيا، وأصبحت لاحقاً من أبرز ما يميز المسجد فنياً.
ويقول شاكر في تصريحات لوكالة الأناضول: “المسجد يحمل قيمة مهمة جدا لأنه يجمع بين عصرين مهمين جدا في المعمار بمصر، فالدولة المملوكية تشتهر بفكرة المعمار والزخارف وتميزت بذلك في مساجدها، وكذلك للعصر العثماني بصمته المعمارية أيضا”.
وهكذا ظل الطابع المملوكي حاضراً في المسجد، بينما أضافت الزخارف العثمانية عناصر جديدة ساهمت في تشكيل هويته المعمارية الحالية.
زلزال وإعادة ترميم
بعد الأضرار التي سببها زلزال 1992، أُغلق المسجد، ثم بدأت أعمال ترميمه عام 2001 ضمن مشروع امتد 14 عاماً، وانتهى بإعادة افتتاحه رسمياً في مايو/أيار 2015.
وشملت أعمال الترميم الواجهات الخارجية وأروقة الصلاة والأسقف الخشبية والشرفات والأقبية والمئذنة والأضرحة الملحقة. كما جرى علاج الشروخ وعزل الأسطح، وإعادة ترميم البلاطات الخزفية المعروفة بـ“القاشاني” في جدار القبلة، واستكمال الأجزاء المتآكلة منها.
وبحسب مؤسسة صندوق الآغا خان للثقافة، عملت فرق ضمت ما بين 60 و80 حرفياً ومختصاً في ترميم الأعمال الفنية داخل المبنى بين عامي 2009 و2012. وشملت الأعمال إزالة الدعائم الهيكلية المؤقتة التي وُضعت بعد زلزال 1992، وتركيب تدابير للحماية من الزلازل، لا سيما عند قاعدة المئذنة.
كما جرى الحفاظ على الألواح الرخامية وبلاط السيراميك من نوع “إزنيق”، إلى جانب أعمال واسعة لترميم الأسقف والواجهات. وحضر افتتاح المسجد في مايو/أيار 2015 وزير الآثار المصري آنذاك ممدوح الدماطي.
تفاصيل معمارية وأثرية
يضم الجامع الأزرق ثلاثة أبواب موزعة على واجهاته الغربية والشرقية والشمالية. وتشير بيانات محافظة القاهرة إلى أن عرضه يبلغ 80 متراً وطوله 100 متر، ويحتوي على ثلاثة أضرحة.
ومن بين هذه الأضرحة ضريح الأمير العثماني إبراهيم أغا المستحفظان، وهو مصنوع من الرخام الأبيض ومحاط بجدران مكسوة بالبلاطات الزرقاء، وهي البلاطات التي شكلت واحدة من أبرز السمات التي أكسبت المسجد اسمه المتداول.
وفي إسطنبول، يحمل مسجد السلطان أحمد أيضاً اسم “الجامع الأزرق”، نظراً إلى اللون الأزرق الذي يغلب على زخارفه الداخلية. وقد شُيّد ذلك المسجد بين عامي 1609 و1616، وتكتسي جدرانه الداخلية بأكثر من 20 ألف قطعة سيراميك منقوشة يدوياً باللون الأزرق.
إمكانات سياحية وتراثية
لا تقتصر أهمية الجامع الأزرق في القاهرة على جانبه التاريخي والمعماري، بل تمتد إلى ما يمكن أن يقدمه في جذب المهتمين بالتراث الإسلامي.
وفي هذا الإطار، يرى مجدي شاكر أن الآثار الإسلامية المملوكية والعثمانية في منطقتي الدرب الأحمر وشارع المعز، بما تضمه من عناصر معمارية وفنية نادرة، تمتلك مقومات جذب سياحي عالمية. ودعا إلى إعداد برامج سياحية متخصصة تستهدف أسواقاً محددة، من بينها دول جنوب شرق آسيا والمهتمون بالعمارة التاريخية والتراث الإسلامي.
كما شدد على ضرورة الانتقال من التسويق السياحي العام إلى التسويق المتخصص، بما يتناسب مع تنوع الأنماط السياحية. وأكد أن الاستثمار الأثري والتطوير العمراني في القاهرة التاريخية يحتاجان إلى منظومة تسويق رقمية ودولية موازية.
ويرى شاكر أن هذه الخطوة من شأنها تعظيم العائد الاقتصادي، وإبراز مكانة التراث الإسلامي المصري على المستوى العالمي.





