كوبا تحول العلم إلى سلاح صحي رغم الحصار

كوبا تحول العلم إلى سلاح صحي رغم الحصار

الأساس العلمي والاستراتيجية الوطنية

اعتمدت كوبا منذ أكثر من أربعين عاماً على نهج علمي يجعل التكنولوجيا الحيوية ركيزة لتعزيز الاستقلال الصحي والوطني. انبثقت هذه الفكرة من إيمان القائد التاريخي فيدل كاسترو روس بأن دولة ذات موارد محدودة ومحاصرة من قبل أقوى قوة عالمية يمكنها استغلال التعليم والبحث كقوة وطنية. لذلك، تم تأسيس المركز المختص بالتكنولوجيا الحيوية والهندسة الوراثية في سنة 1986، ثم تطور إلى مجمع علمي متكامل في هافانا يربط بين المختبرات والإنتاج وتطبيق المكتسبات لفائدة السكان.

الإنجازات في اللقاحات والعلاجات

ونتيجة لهذا التوجه، استطاعت الجزيرة إنتاج مجموعة من اللقاحات والأدوية التي تعالج أمراضاً متعددة وتترك أثراً اجتماعياً كبيراً. من بين هذه الإنشاءات إنترفيرونات مؤتلفة، لقاح التهاب الكبد B، ولقاح المكورات السحائية VA-MENGOC-BC، واللقاحات المركبة مثل Heberpenta-L، بالإضافة إلى المستحضرات العلاجية مثل Heberprot-P التي تستعمل في علاج قرح القدم السكري المعقدة وتقلل احتمال بتر الأطراف السفلية لدى المصابين بالسكري.

في مجال السرطان، برز دواء CIMAvax-EGF كعلاج مناعي يستهدف مرضى معينين يعانون من سرطان الرئة المتقدم، إلى جانب جسم مضاد وحيد النسيلة يُدعى نيموتوزوماب يُستعمل في معالجة أورام متنوعة. كذلك القائمة منتجات تكنولوجيا حيوية موجهة للأمراض المعدية والمناعة الذاتية والاضطرابات العصبية، ما يعكس التوجه نحو ابتكار حلول خاصة تلبي حاجات السكان بدلاً من مجرد تكرار أدوية معروفة.

التحديات والآفاق المستقبلية

عندما ظهر فيروس كورونا المستجد، وضعت البنية التي أُسست في الثمانينيات أمام اختبار حقيقي، فسرّع العلماء الكوبيون وتيرة العمل. طُورت خمس مرشحات للقاحات: Soberana 01، Soberana 02، Soberana Plus، Abdala وMambisa. وتمكن عدد منها من الانتقال من مرحلة التجارب إلى الاستعمال الفعلي داخل الحملة الوطنية للتلقيح.

لقاح Abdala، الذي ينتج من مركز الهندسة الوراثية والتكنولوجيا الحيوية باستخدام تقنية البروتين المؤتلف، ولقاحا Soberana 02 وSoberana Plus، اللذان طورهما معهد فينلاي للقاحات، شكلا استجابة علمية خاصة لجائحة عالمية. أثبتت التجربة أن القدرات المتراكمة عبر عقود من البحث العلمي في كوبا يمكنها مواجهة طوارئ صحية كهذه.

إضافة إلى جائحة كورونا، اتجه البحث الكوبي نحو الأمراض التنكسية العصبية من خلال تطوير NeuroEPO الذي يُسوّق تحت اسم NeuralCIM ويستهدف معالجة ألزهايمر الخفيف والمتوسط. أظهرت الدراسات السريرية الأولى نتائج مبشرة ويجري العمل على تحسين المركب وتوسيع قاعدة التجارب.

كل هذه المنجزات تحققت رغم أكثر من ستة عقود من الحصار الاقتصادي والتجاري والمالي الذي تفرضه الولايات المتحدة، والذي يقيّد الحصول على التمويل والتقنيات والمعدات والمواد الخام والمستلزمات الأخرى. لذلك، لم يكن بناء قدرات تقنية ذاتية مجرد خيار علمي، بل تضمن بعداً اقتصادياً وسياسياً يهدف إلى خفض الاعتماد على الخارج وضمان جاهزية الدولة لمواجهة الأزمات.

وبهذا الشكل، أصبحت التكنولوجيا الحيوية الكوبية تجسيداً لفكرة فيدل كاسترو روس التي ترى أن العلم والمعرفة يمكن أن تشكل موارد استراتيجية للأمة. الأثر الاجتماعي لما تحقق خلال هذه العقود لا يُقاس بثمن؛ فقد تحول إلى لقاحات تحمي السكان، وأدوية تعالج السرطان، وبدائل لمضاعفات السكري، وأبحاث جديدة ضد الزهايمر، بالإضافة إلى تأهيل آلاف الكوادر المتخصصة وإرساء بنية تحتية علمية تدعم النظام الصحي الوطني.

ينبغي النظر إلى دور فيدل كاسترو كدفع سياسي واستراتيجي أنشأ الظروف المناسبة لهذا التطور، بينما النتائج الفعلية هي ثمرة جهود أجيال من الأطباء والعلماء والمهندسين والفنيين والعمال. في بلد يخضع لقيود خارجية صارمة لسنوات طويلة، تمثل التكنولوجيا الحيوية الكوبية أكثر من مجرد قائمة أدوية؛ فهي تحول العلم إلى أداة للصحة والسيادة والاستجابة الاجتماعية.

بقلم السفير الكوبي لدى الكويت آلان بيريز توريس

اخبار الكويت ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة الكويتية و الخليجية و العربية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة.

اخبار تهمك