عائد أمريكي يزور سجنه القديم في سوريا لجمع إثباتات ضد معذبيه

الاعتقال والتعذيب في سجون النظام
دخل كيفن باتريك دوز سوريا في عام 2012 حاملا شحنة من المستلزمات الطبية بهدف تخفيف معاناة السكان المتضررين من القتال. بعد وقت قصير من عبوره الحدود، تحديداً في الثالث من أكتوبر 2012، أوقفته قوات نظام بشار الأسد ونقلته إلى مركز احتجاز يعتقد أنه الفرع 248 بدمشق، حيث pozostał نحو ثلاث سنوات ونصف. خلال فترة اعتقاله تعرض لأشكال متعددة من التعذيب منها الإغراق والضرب الشديد والتشويه الجسدي، ما أدى إلى فقدان جزء كبير من قدمه اليمنى وتسبّب له في صعوبة مستمرة في المشي. كما أصيب بجلطة دماغية حرمتَه مؤقتاً من القدرة على الكلام، ولا يزال يعاني من نوبات حبسة كلامية عند التعرض للضغط. وصف دوز ظروف الزنزانة بأنها كانت شديدة البرودة بعد أن أخذت منه جميع البطانيات، وقُيِّد بسلاسل إلى القضبان لأسبوع أو أكثر. انخفض وزنه إلى حوالي ثلاثين وستين كيلوغراماً بسبب الحرمان المتكرر من الطعام وسرقته المتبقيات من القمامة في الحمام بعد وجبات الحراس.
شهادة عن الطفلين والطبيب عباس خان
من بين المشاهد التي لا تزال تطارده، شهد دوز تعذيب طفلين يقدّر عمر كل منهما بين ثماني وعشر سنوات حتى الموت؛ أحد الطفلين جُوّع حتى أصبح هيكلا عظميا وأحرقتا عينيه. وصف كيف كان الطفل يصرخ وهو نائم يحلم بالمنزل، ثم يكتشف أنه داخل السجن فيبدأ بالصراخ، بينما كان أحد الحراس يتظاهر باللطف ويلعب معه ويمنحه مهام صغيرة لكسب ثقته قبل أن يعاد تعذيبه في اليوم التالي. توقف دوز عن سماع صوت الطفل في ديسمبر 2013، وظن في البداية أنه أُفرج عنه، لكنه بعد إطلاق سراحه اطلع على ما يُعرف بـ«صور قيصر» التي توثق جثث معتقلين بسجون النظام السابق، فتعلم أن الطفل قُتل بعد تعرضه للتجويع والتعذيب. كما تحدث دوز عن العلاقة التي ربطته بالطبيب البريطاني عباس خان، جراح عظام اعتُقل من قبل أجهزة نظام الأسد في نوفمبر 2012 أثناء تطوعه لعلاج الجرحى بحلب. كان عباس محتجزاً في زنزانة قريبة من زنزانته، وتواصل الاثنان بالصراخ من تحت الأبواب. اتفقا على أن من يصل إلى الغرب أولاً عليه أن يخبر العالم بأن الآخر لا يزال حياً ومحتجزاً. نجحت والدة عباس في العثور عليه وزيارته، ونقلت عبرها معلومات عن احتجاز دوز إلى خارج سوريا، ما ساهم في كشف مكانه لدى الجهات الأمريكية التي عملت لاحقًا على إطلاق سراحه. توفي عباس في ديسمبر 2013؛ أعلنت الأجهزة السورية السابقة أنه انتحر أثناء الاحتجاز، لكن تحقيقاً قضائياً بريطانياً خلص في أكتوبر 2014 إلى أنه كان ضحية قتل غير مشروع.
العودة إلى سوريا والسعي للعدالة
بعد نحو عشر سنوات من الإفراج عنه، عاد كيفن باتريك دوز إلى دمشق في أكتوبر 2026 (كما أشار إلى الفترة 2000-2024 في تصريحه) لرؤية سجنه القديم بعد سقوط نظام الأسد. صرح أن هدفه من الزيارة هو جمع أدبية تساعد في تحديد مرتكبي الأفعال المروعة داخل السجن وتقديمهم للمحاكمة، بالإضافة إلى المساعدة في تحديد هويات ضحايا دفنوا في مقابر جماعية والعمل على إعادة رفاتهم إلى عائلاتهم. وأضاف أن زيارته تهدف إلى دعم مسار العدالة الانتقالية الذي بدأته السلطات السورية الجديدة، حيث أصدر مرسوم رئاسي في مايو 2025 أنشأ الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية لكشف الحقيقة عن انتهاكات النظام السابق ومساءلة المسؤولين عنها. يأمل دوز أن تساهم شهادته وما يمكن جمعه من أدلة داخل مراكز الاحتجاز السابقة في تحديد المسؤولين عن الجرائم، وكشف مصير الضحايا وإنصاف عائلاتهم، مشدداً على أن منع تكرار هذه الفظائع يتطلب فهم أسبابها وما جعل مثل هذه الأفعال ممكنة، وفق تعبيره «لن نتمكن من منع تكرار هذه الفظائع ما لم نفهم لماذا حدثت، وما الذي جعل مثل هذه الأفعال ممكنة».
خلال فترة احتجازه ذكر دوز أنه كان يجري لقاءات مع ممثل دبلوماسي تشيكي يتولى رعاية المصالح الأمريكية في سوريا، وأن المحققين كانوا يمتلكون تسجيلات لمحادثات أجراها أصدقاؤه وأفراد عائلته في الولايات المتحدة. قرر خلال إحدى المكالمات المجازفة بكشف معلومات قد تساعد مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي «إف بي آي» في تحديد هوية أشخاص مرتبطين بتلك التسجيلات، فصرخ بأسماء ومعلومات واقتباسات كافية لذلك. بعد ذلك توقفت اللقاءات الدبلوماسية والمساعدات الغذائية التي كانت تصله، وأُعيد لفترة قصيرة إلى التعذيب. وبعد أشهر أُخرج من زنزانته دون إبلاغه بوجهته، وظن أنه سيُنفذ حكم الإعدام، لكنه سلم في المطار إلى رجال قالوا إنهم من القوات الخاصة الروسية، ثم نُقل على متن رحلات جوية وهو مقيد اليدين ومعصوب العينين إلى موسكو، حيث وصل إلى مبنى تابع لوزارة الخارجية الروسية. بعد أن ظن أنه ما زال في سوريا وسيتعرض لضرب إضافي عند وصوله إلى سجن مثل صيدنايا أو عدرا، فوجئ بوصول مسؤولين أمريكيين لتسلمه ونقله إلى السفارة الأمريكية في موسكو حيث تلقى رعاية طبية عاجلة، ثم نُقل إلى قاعدة عسكرية الأمريكية في ألمانيا لاستكمال العلاج قبل عودته إلى الولايات المتحدة. وفي الثامن من أبريل 2016 أكدت الخارجية الأمريكية إطلاق سراح مواطن أمريكي كان محتجزاً لدى السلطات السورية، مشيدة بجهود روسيا وتشيكيا في تسهيل الإفراج عنه، ولم تعلن الاسم آنذاك لأسباب خصوصية، لكن مسؤولين أمريكيين أكدوا لوسائل الإعلام أن المفرج عنه هو كيفن باتريك دوز. وما زال دوز يعاني من آثار الإصابات التي لحقت به في المعتقل، ومنها فقدان جزء من قدمه اليمنى وصعوبات في الحركة والكلام، لكنه عبر عن شعوره بالحظ لامتلاكه رؤية فريدة لحملة الاضطهاد التي شنها الأسد ضد شعبه في سوريا، وهي رؤية لم تتح لكثيرين.





