اليورو بين طموح الوحدة وأزمة الاستدامة

اليورو بين طموح الوحدة وأزمة الاستدامة

ظهر اليورو منذ ما يقارب ربع قرن كأبرز مثال على مشروع اقتصادي وسياسي يهدف إلى توحيد أعداد هائلة من السكان تحت عملة واحدة، وربط اقتصادات متباينة بنظام نقدي مشترك، ما ساهم في تجسيد فكرة التكامل والاستقرار في القارة الأوروبية.

إلا أن هذا الإنجاز لم يخلو من تساؤلات لم تُستجب بعد، حيث ظلّ السؤال قائماً حول ما يترتب على دولة عضو إذا غاصت في عبء الديون، ومن يتحمل تكاليف الإنقاذ عند اضطراب الأسواق، إضافة إلى مدى قدرة الاتحاد النقدي على الصمود دون وجود هيكل مالي موحد يدعم ذلك.

كتاب «دورة الأزمات» يطرح قراءة نقدية لتاريخ اليورو

يُعيد الكتاب المُعنون «دورة الأزمات: تحديات وتطور ومستقبل اليورو» استعراض مسار العملة الموحدة منذ انطلاقها في أواخر التسعينات وحتى الآن، مشيراً إلى أن ما يُنظر إليه كقوة متزايدة قد يكون في الواقع هشاشة مؤسسية متفاقمة. يوضح المؤلفون أن الحلول المؤقتة التي صُممت لتجاوز أزمات سابقة تحولت إلى مكوّن دائم في بنية النظام.

تشارك في تأليف هذا العمل ثلاثة خبراء يجمعون بين النظرية والتطبيق: الاقتصادي الأمريكي جون كوكرين، الباحث في مؤسسة هوفر ومُطوّر مفهوم «الأساس المالي لمستوى الأسعار»، يقدّم الإطار التحليلي؛ لويس غاريكانو، أستاذ السياسات العامة بكلية لندن للاقتصاد والبرلماني الأوروبي السابق، الذي يسلّط الضوء على الجوانب السياسية والاقتصادية؛ وكلاوس ماسوش، الذي قضى سنوات في البنك المركزي الأوروبي وساهم في مفاوضات برنامج إنقاذ اليونان، فيقدم رؤى داخلية نادرة حول اتخاذ القرارات أثناء الأزمات.

الأسس الأولية للاتحاد النقدي وتحدياتها

يعرض الكتاب أن تأسيس اليورو ارتكز على تفويض صريح للبنك المركزي الأوروبي بالحفاظ على استقرار الأسعار عبر أدوات نقدية تقليدية، مع حظر صريح لشراء الديون الحكومية مباشرة. كما خضع الأعضاء لقواعد مالية مشددة من خلال «ميثاق الاستقرار والنمو» الذي حدّد سقوفاً للديون والعجز، إضافة إلى مبدأ «عدم الإنقاذ» المنصوص عليه في معاهدات الاتحاد الأوروبي.

تهدف هذه الضوابط إلى منع الاعتماد المفرط على الاقتراض مع توقع تدخل البنك المركزي كشبكة أمان. ومع ذلك، يشير المؤلفون إلى وجود ثغرات جوهرية في التصميم الأصلي، مثل غياب آلية لإعادة هيكلة الديون السيادية أو إعلان تعثر حكومي، والسماح للبنوك بحيازة كميات كبيرة من السندات الحكومية واعتبارها خالية من المخاطر، ما خلق تركيزاً كبيراً على الديون السيادية دون وجود صندوق أو آلية مالية مشتركة لتقديم دعم فوري للدول المتعرضة لضغوط مؤقتة.

تطور الأزمات واختبار مرونة النظام

يرى الكتاب أن هذه النواقص لم تنجم عن إهمال، بل تعكس السياق الفكري والسياسي في التسعينيات عندما كان يُعتقد أن الاقتصادات المتقدمة لن تواجه أزمات ديون سيادية مماثلة لتلك التي شهدتها الأسواق الناشئة. إلا أن التجاوزات المالية في فرنسا وألمانيا في أوائل الألفية الجديدة، حيث تخطى كلا البلدين الحدود المقررة للميزانية دون عقوبات فعّالة، أضعفت مصداقية القواعد المالية.

ثم تلت الأزمة المالية العالمية بين 2007 و2009 التي كشفت مزيداً من هشاشة النظام، حيث اضطر البنك المركزي إلى توسيع عمليات الإقراض للبنوك وتقبل ضمانات أكثر خطورة، بما شمل سندات حكومية، ما أسفر عن تمويل غير مباشر للحكومات عبر القنوات المصرفية.

تُعد أزمة الديون السيادية الأوروبية بين 2010 و2012 النقطة الفاصلة، حيث واجهت المنطقة خطر الانهيار المالي في ظل غياب مقرض أخير حكومي. اضطر البنك المركزي الأوروبي إلى التدخل بصفة غير مسبوقة، وقد وصف المؤلفون تعهّد الرئيس آنذاك، ماريو دراغي، بفعل «كل ما يلزم» لحماية العملة بأنه الحدث المحوري في تاريخ اليورو.

على الرغم من أن هذا التعهد هدّأ الأسواق وخفّض تكاليف الاقتراض، إلا أنه غير قواعد اللعبة التي بُني عليها الاتحاد النقدي، مما أدى إلى إقناع الأسواق بأن البنك المركزي لن يسمح بفشل أي دولة عضو، وبالتالي خفّض الضغوط التي كانت تُفرض عبر أسعار الفائدة على الحكومات ذات المديونية العالية.

برنامج التيسير الكمي وتفاقم المخاطر الأخلاقية

تطورت هذه الديناميكية مع توسيع برامج التيسير الكمي التي اعتمدها البنك المركزي، حيث بدأ بشراء السندات الحكومية والأصول المالية لضخ السيولة وتخفيض تكاليف التمويل. ومع جائحة كورونا، تحولت هذه الأدوات إلى جزء شبه دائم من السياسة النقدية الأوروبية.

يستند الكتاب إلى مفهوم «دورة الأزمات» حيث كل أزمة تدفع السلطات إلى اتخاذ إجراءات استثنائية تمنع الانهيار الفوري، لكن هذه الإجراءات نفسها تولّد حوافز جديدة تزيد من احتمالية وقوع أزمات مستقبلية، ما يخلق حلقة مستمرة من التدخلات الطارئة.

ويشرح المؤلفون ظاهرة «المخاطر الأخلاقية» التي تنشأ عندما تدرك الحكومات أن البنك المركزي سيتدخل إذا ارتفعت عوائد سنداتها إلى مستويات خطر، فتتراجع حماستها للالتزام بسياسات مالية متينة. كما أن البنوك التي تدرك أن السندات السيادية ستحظى بدعم ضمني من السلطات النقدية لا تجد دافعاً كبيراً لتنويع محافظها، بينما يتراجع المستثمرون عن طلب عوائد أعلى على ديون الحكومات المتقلبة، معتقدين بوجود شبكة أمان أوروبية.

تشير المؤشرات إلى أن الدين العام في إيطاليا وتدهور المؤشرات المالية في فرنسا يبرزان المخاطر الكامنة التي لا تزال تهدد استقرار المنطقة.

اقتراحات إصلاحية لضمان استدامة اليورو

في الجزء الختامي، يقدّم الكتاب مجموعة من الإجراءات الإصلاحية الضرورية لاستمرار العملة الموحدة. أولاً، يدعو إلى إنشاء مؤسسة مالية أوروبية قادرة على تقديم دعم مؤقت للدول التي تواجه ضغوطاً في الأسواق، على أن يرتبط هذا الدعم بإجراءات إصلاحية واضحة، ما يخفّف العبء عن البنك المركزي ويحد من توسيع دوره إلى ما يتجاوز مهمته الأساسية.

ثانياً، يقترح إنشاء آلية موثوقة لإعادة هيكلة الديون السيادية، تضمن بقاء احتمال التعثر أو جدولة الديون، ما يعيد الانضباط إلى سلوك الحكومات والمستثمرين على حد سواء.

ثالثاً، يوصى بإصلاح القواعد التنظيمية للقطاع المصرفي لكسر الحلقة التي تربط البنوك بحكوماتها، عبر إلزام المؤسسات المالية بتنويع حيازاتها من السندات السيادية واعتبارها أصولاً تحمل مخاطر فعلية.

يرفض المؤلفون خيارين يريان غير ملائمين: الاتحاد المالي الكامل الذي يمنح صلاحيات مالية واسعة للمؤسسات الأوروبية، وإصدار سندات أوروبية مشتركة دون شروط. بدلاً من ذلك، يقترحون نموذجاً وسطاً يجمع بين السيادة المالية الوطنية وآليات دعم محدودة ومشروطة.

يعترف الكتاب بأن تنفيذ هذه الإصلاحات سيواجه معوقات سياسية، نظراً لأن الجهات المستفيدة من الوضع الحالي هي نفسها التي تتحكم في عملية التغيير. وتُظهر التجارب السابقة أن القادة الأوروبيين يفضّلون غالباً الحلول السريعة أثناء الأزمات على الإصلاحات الهيكلية طويلة الأجل.

ختاماً، يقدم «دورة الأزمات» تحليلًا متعمقًا لأحد أهم المشاريع الاقتصادية في العصر الحديث. لا يشكك الكتاب في إنجازات اليورو، لكنه يطرح سؤالاً جوهريًا حول قدرة العملة على البقاء إذا استمرت في الاعتماد على الأدوات الحالية، مؤكدًا أن مستقبلها سيعتمد على استعداد أوروبا لمعالجة الثغرات البنيوية المتراكمة على مدى أكثر من ربع قرن.

اخبار الكويت ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة الكويتية و الخليجية و العربية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة.

اخبار تهمك