ثانوية الأناضول في قهرمان مرعش تواصل إرثها رغم فقدان مبناها التاريخي في زلزال 2023

في مدينة قهرمان مرعش جنوبي تركيا، التي اقترن اسمها بالشعر والأدب، تواصل ثانوية الأناضول هناك حمل إرث ثقافي وتعليمي يعود جذوره إلى أواخر العهد العثماني. فقد أسهمت هذه المؤسسة التعليمية العريقة، على مدى أكثر من قرن، في تنشئة أجيال من الأدباء والمفكرين الذين تركوا بصمات واضحة في الحياة الثقافية التركية.
مكانة أدبية وماضٍ عريق
تقع المدرسة في منطقة دول قادر أوغلو، وأصبحت جزءاً من الذاكرة الأدبية لمدينة قهرمان مرعش التي انضمت في عام 2025 إلى شبكة اليونسكو للمدن المبدعة في مجال الأدب، وهو اعتراف دولي بتقاليدها الأدبية العريقة.
بدأت المدرسة مسيرتها قبل حرب الاستقلال التركية تحت اسم “إعدادية مرعش”، ثم عُرفت خلال العهد الجمهوري باسم “مدرسة مرعش السلطانية”، و”ثانوية مرعش”، قبل أن تحمل اسمها الحالي “ثانوية الأناضول قهرمان مرعش” منذ عام 2013.
تخريج أدباء بارزين وتأثير ثقافي
في حديث لوكالة الأناضول، قال مدير التعليم في ولاية قهرمان مرعش، طوران أق بينار، إن المدرسة تحتل مكانة مهمة في الحياة الثقافية والأدبية للمدينة، وأسهمت في تخريج شخصيات بارزة في مجالات الأدب والثقافة على مدى سنوات طويلة. وأوضح أن أهميتها لا تقتصر على عراقتها التاريخية، بل تشمل أيضاً إسهام خريجيها في تشكيل الذاكرة الثقافية للمدينة، مشيراً إلى أن تاريخها تجاوز حدود المؤسسة التعليمية ليصبح جزءاً من تاريخ قهرمان مرعش الثقافي.
تتجلى هذه المكانة بوضوح في مجموعة الشعراء والكتّاب المعروفين باسم “الرجال السبعة الجميلين”، وهم نوري باكديل، وأردم بايزيد، وجاهد ظريف أوغلو، وراسم أوزدن أورن، وعلاء الدين أوزدن أورن، ومحمد عاكف إينان، وعلي كوتلاي. وقد تقاطعت مسارات هؤلاء الأدباء خلال سنوات شبابهم في قهرمان مرعش، وشكّلت أجواء ثانوية مرعش جانباً مهماً من بدايات رحلتهم الأدبية. كما أسهمت مجلة “حملة”، التي صدرت في المدرسة لسنوات طويلة، في توفير مساحة فكرية وأدبية للشباب المهتمين بالكتابة آنذاك.
ولفت أق بينار إلى أن أثر المدرسة لم يقتصر على الأدب والثقافة، بل امتد إلى مجالات السياسة والعلوم والرياضة والعمل العام والأعمال، وتخرج فيها أشخاص تولوا مسؤوليات مهمة في هذه القطاعات.
يُذكر أن لقب “قهرمان” (البطل) أُضيف إلى اسم مدينة مرعش بقرار من البرلمان التركي عام 1973، تكريماً لمقاومة سكانها الاحتلال الفرنسي خلال حرب الاستقلال التركية، التي أسهمت في انسحاب القوات الفرنسية في فبراير/شباط 1920.
التعليم مستمر رغم فقدان المبنى التاريخي
أوضح أق بينار أن مبنى المدرسة تعرض لأضرار كبيرة جراء زلزالي 6 فبراير/شباط 2023، قبل أن يُهدم بسبب حجم الأضرار. وفي ذلك اليوم، ضرب جنوبي تركيا وشمالي سوريا زلزالان بقوة 7.7 و7.6 درجات، وتبعتهما آلاف الهزات الارتدادية العنيفة، ما خلّف خسائر كبيرة في الأرواح والممتلكات في البلدين. وتركزت الكارثة في ولاية قهرمان مرعش، حيث امتدت إلى 11 ولاية تركية، وأسفرت عن وفاة أكثر من 50 ألف شخص.
ونتيجة لذلك، اضطرت الإدارة إلى نقل أنشطتها التعليمية إلى المبنى القديم لمدرسة ضياء كوك ألب الابتدائية في المنطقة نفسها. وأكد أق بينار أن أعمال بناء المبنى الجديد للمدرسة لا تزال مستمرة، معرباً عن أمله في أن يواصل هذا الصرح دوره في إعداد أجيال جديدة من الشعراء والكتّاب والعلماء والفنانين.
وتابع قائلاً: “ستنمو في أروقة المدرسة التي يجري بناؤها اليوم مواهب المستقبل في الشعر والكتابة والعلوم والفنون. وربما تُكتب هنا قصيدة جديدة، أو تبدأ حكاية جديدة، وتحمل أجيال جديدة هذا الإرث العريق إلى آفاق أبعد”.
وأكد أن الإرث الذي حملته المدرسة عبر تاريخها، إلى جانب المكانة الأدبية التي تتمتع بها قهرمان مرعش بصفتها مدينة أدب ضمن شبكة اليونسكو للمدن المبدعة، يشكلان أساساً لمواصلة دورها الثقافي والتعليمي. وختم بالقول إن ثانوية الأناضول قهرمان مرعش، بما تحمله من تاريخ عريق وشخصيات بارزة تخرجت فيها ومكانة راسخة في الذاكرة الثقافية للمدينة، ليست مجرد شاهد على الماضي، بل مصدر إلهام للأجيال المقبلة.





