واشنطن تشدد الخناق على بنك ملي الإيراني وتطالب بإغلاق فروعه الخارجية
في إطار حملة العقوبات الاقتصادية الجديدة التي تستهدف خنق إيران، وضع وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت المصرف الإيراني التاريخي “بنك ملي” في صدارة قائمة أهدافه. ويسعى بيسنت إلى جعل هذا المصرف نموذجاً لملاحقة ما تسميه الإدارة الأمريكية “بنوك الظل” الإيرانية، مهدداً الدول التي لا تلتزم بتطبيق العقوبات الأمريكية بعقوبات ثانوية قاسية.
استهداف أقدم بنك إيراني
عندما كشفت الإدارة الأمريكية في الرابع والعشرين من أغسطس عن حزمة عقوبات جديدة تهدف إلى “خنق” إيران، والتي أطلقت عليها اسم “يوم النصر الاقتصادي”، حرص سكوت بيسنت على تسمية بنك ملي (المصرف الوطني) بالاسم، وجعله هدفاً رئيسياً في ملاحقة وزارته للمؤسسات المالية الإيرانية. وقال بيسنت حرفياً: “يجب إغلاق جميع وكالات بنك ملي في الخارج”، محذراً من أن أي بلد لا يجبر هذا البنك على وقف أنشطته على أراضيه سيواجه عقوبات ثانوية.
ويعد بنك ملي، وفقاً لمهرداد بوروجردي المتخصص في الشؤون الإيرانية وعميد كلية الآداب والعلوم والتعليم في جامعة ميسوري للعلوم والتكنولوجيا، “أقدم بنك إيراني لا يزال يعمل وصاحب أكبر عدد من الفروع في إيران”. تأسس البنك عام 1928 على يد الشاه رضا بهدف إنشاء بنك عام يمنح إيران استقلالاً مالياً عن المؤسسات المالية الخاضعة للمصالح الأجنبية، مثل البنك الإمبراطوري الفارسي. ومنذ ثلاثينيات القرن العشرين وحتى ستينياته، لعب بنك ملي دور البنك المركزي الإيراني.
تاريخ طويل من العقوبات
ليست هذه المرة الأولى التي يتعرض فيها بنك ملي للعقوبات. فقد فرضت عليه الولايات المتحدة عقوبات في عام 2007 بتهمة تسهيل تمويل البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين. وفي أوروبا، فرضت عليه عقوبات لأول مرة في عام 2008، ثم سُمح له بممارسة أنشطته مرة أخرى بعد الاتفاق النووي لعام 2015. وفي عام 2025، أعاد الاتحاد الأوروبي إدراج بنك ملي في قائمته للكيانات الخاضعة للعقوبات، متهماً إياه بتسهيل عمليات شركات متورطة في البرنامجين النووي والصاروخي. كما فرضت عليه المملكة المتحدة عقوبات في العام نفسه.
يمتلك بنك ملي نحو اثني عشر فرعاً خارج إيران، بالإضافة إلى مشاريع مشتركة في روسيا وأفغانستان. وتتركز معظم فروعه في دول الخليج، حيث يوجد سبعة منها في الإمارات العربية المتحدة. وفي أوروبا، لديه فرع في باريس وآخر في هامبورغ بألمانيا، بالإضافة إلى مكاتب في لندن. ولم تعلق الدول المعنية حتى الآن على ما تنوي فعله حيال العقوبات الجديدة.
ويوضح مهرداد بوروجردي أن بنك ملي “مضى 19 عاماً على تعلمه كيف يعيش ويعمل في ظل العقوبات الدولية وفي بيئة معقدة”. وتتساءل وسائل إعلام أمريكية كيف لا يزال البنك يحتفظ بهذا العدد الكبير من الفروع في الخارج، بما في ذلك في دول أوروبية تطبق العقوبات. ويرى فرزان سابت، الخبير في العقوبات الدولية بمعهد الدراسات العليا للتنمية الدولية في جنيف، أن هذه الفروع ربما أنشئت في وقت كان مسموحاً بذلك، وتم الاحتفاظ بها مع تقليص كبير في أنشطتها.
شبكة المصرفية الظلية
غير أن معظم الأنشطة المالية غير المشروعة والالتفاف على العقوبات لا تحدث على الأرجح خلف أبواب هذه الواجهات الرسمية. ففي أبريل 2026، وصفت وزارة الخزانة الأمريكية نظام “المصرفية الظلية” الذي أنشأته مؤسسات مالية إيرانية مثل بنك ملي للعمل على الساحة الدولية. ويشرح فرزان سابت أنه في دول مثل الإمارات، وتحديداً دبي، تعتمد إيران على شبكة من الوسطاء المحليين، وهم “أمناء” يديرهم محليون يقومون بإنشاء شركات وهمية لتنفيذ المعاملات المالية لصالح إيران.
وتصف وزارة الخزانة في بيانها الصادر في أبريل شبكة تعتمد على بنك ملي وتضم عشرات بل مئات الشركات الوهمية في آسيا، وخاصة في هونغ كونغ. وتقول واشنطن إن هذه الشبكة مكنت إيران من إجراء مليارات الدولارات من المعاملات المالية، بما في ذلك لصالح الحرس الثوري، مع الإفلات التام من العقاب.
تحديات التعاون الدولي
هل يمكن لمطاردة فروع بنك ملي في جميع أنحاء العالم أن تضعف هذه الدوائر المالية البديلة؟ يرى مهرداد بوروجردي أن هذه “بداية”، لكن كل شيء يعتمد على تعريف الوجود في الخارج. وتشير سارا بازوباندي، المتخصصة في إيران بمعهد سياسة الأمن بجامعة كيل، إلى أن هناك غموضاً في ما يمكن اعتباره فرعاً، فقد يكون مجرد مكتب في غرفة خلفية مع موظف يمثل بنك ملي. وإذا كان سكوت بيسنت يقترح تفكيك كل هذه البنية التحتية، فإن ذلك سيعقد مهمة إيران في الالتفاف على العقوبات.
لكن هذا بعيد عن التحقق، إذ يجب أولاً الحصول على نظرة شاملة لجميع المكاتب التي فتحها بنك ملي في العالم. كما أن بنك ملي ليس الحلقة الوحيدة، فهناك بنوك إيرانية أخرى مثل بنك صادرات، الخاضع للعقوبات لدوره في تمويل جماعات مسلحة مثل حزب الله، تمتلك أيضاً وكالات في عدة دول.
ويمثل نداء سكوت بيسنت للدول الأخرى تحدياً دبلوماسياً كبيراً. وتؤكد سارا بازوباندي أن وزير الخزانة سيحتاج إلى تعاون دولي هائل، وهو في السياق الحالي ربما المهمة الأكثر صعوبة. وتتساءل: هل ستطرد روسيا فعلاً بنك ملي من أراضيها من أجل عيون سكوت بيسنت؟
ويرى فرزان سابت أن العقوبات ضد بنك ملي قد تمثل “طلقة تحذيرية”، حيث تطلق واشنطن النار أولاً على كيانات ليست الأكثر أهمية في استراتيجيات إيران للالتفاف على العقوبات، بهدف بدء الضغط على البلدان المعنية وتهيئة أذهانها لتصعيد محتمل. وسيكون على كل دولة أن تختار جانبها.
اخبار الكويت ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة الكويتية و الخليجية و العربية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة.
