التراث بوصلة الهوية في زمن التحولات الرقمية وتحديات العولمة

تتواتر في الأوساط الثقافية نقاشات واسعة حول سبل إعادة تقديم التراث برؤى معاصرة، في وقت تتسارع فيه التحولات التكنولوجية وتبرز تأثيرات العولمة على الهويات المحلية. وتتفق هذه الطروحات على أن التراث ليس مجرد شواهد ماضوية، بل ذاكرة حية ومنظومة قيم ومعارف تعزز الهوية الوطنية وتضمن استمرار الإنسان في بيئته.
التراث بين الذاكرة الحية والخوف من الجمود
ويطرح المهتمون سؤالاً جوهرياً حول كيفية صون هذه الذاكرة ونقلها إلى الأجيال المقبلة، من دون أن تتحول إلى مادة جامدة حبيسة المتاحف. وتشدد الرؤى المطروحة على أن الأصالة والحداثة ليستا في تناقض، بل يمكن أن تلتقيا في مشروع واحد يحفظ الموروث ويعيد تقديمه بلغة المستقبل.
التقنيات الحديثة نافذة جديدة للموروث
وتشير تجارب في الإمارات ومصر وكردستان إلى أن أدوات مثل الذكاء الاصطناعي والواقع المعزز لم تطفئ جذوة التراث، بل منحته آفاقاً جديدة للحضور في المستقبل. فباستثمار عناصر البيئة المحلية ومفردات الذاكرة البصرية، يمكن إنتاج تصاميم معاصرة تستوعب الماضي وتخاطب الحاضر.
مصممات إماراتيات ومعارض تعيد إحياء الحرف
من بين النماذج العملية، برزت تجارب المصممتين الإماراتيتين فريال البستكي وزينة لوتاه، إذ استلهمتا من تفاصيل البيئة المحلية والذاكرة الشعبية عناصر إبداعية في الأزياء والتصميم. وتؤكدان أن التراث الإماراتي ليس مصدر إلهام عابراً، بل جزء أصيل من الذاكرة والهوية.
كما رصدت النقاشات جهود معرض أبوظبي الدولي للصيد والفروسية 2026 ومنتدى «اصنع في الإمارات»، حيث قُدمت حرف تقليدية مثل النسيج والفخار وصياغة الذهب والسدو بأساليب عصرية وورش تفاعلية، تستهدف حفظ هذه المهن ونقلها إلى الأجيال الجديدة.
تراث معرفي وركيزة للتنمية المستدامة
ويذهب الخطاب الثقافي إلى أن التراث معرفة متراكمة وخبرات متوارثة، تتجلى في إلمام الأجداد بمواسم السنة والطقس والحرف اليدوية. ويُعد التراث الثقافي والطبيعي ركيزة أساسية لتحقيق التوازن بين الهوية والتنمية ضمن أهداف التنمية المستدامة؛ فالتعليم الجيد يعزز الوعي بالهوية الثقافية، والمدن المستدامة تحمي المواقع التراثية.
وتخلص المصادر إلى أن قيمة التراث لا تنحصر في حضوره خلال المناسبات الاحتفالية، بل تقاس بقدرته على البقاء فاعلاً في الحياة اليومية، والمساهمة في تشكيل الوعي الثقافي، وفتح آفاق للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، ليبقى رسالة حية تعبر من ذاكرة الأجداد إلى وعي الأجيال الجديدة.





