تخطَّ إلى المحتوى
الجمعة 23 أكتوبر 202612 جمادى الأولى 1448 هـ13:57 الكويت36° صحود.ك = 3.224 $
  1. الفجر04:35
  2. الشروق05:55
  3. الظهر11:32
  4. العصر14:46
  5. المغرب17:10
  6. العشاء18:27
52خبراً اليوم
23 أكتوبر 2026

أخبار الكويت و الخليج و العالم

الشريط

البوابة الذهبية في إسطنبول.. 1600 عام من التاريخ بين الأباطرة والحصون

البوابة الذهبية في إسطنبول.. 1600 عام من التاريخ بين الأباطرة والحصون

من تحت أقواسها الحجرية، مر الأباطرة البيزنطيون على رأس جيوشهم ليعلنوا انتصاراتهم أمام سكان القسطنطينية، قبل أن تضيق ممرات “البوابة الذهبية” وتُسد بالصخور، فتحولت من معبر احتفالي يعكس قوة الإمبراطورية الرومانية الشرقية إلى جزء من قلعة عثمانية، تختزل جدرانها المغلقة نحو 1600 عام من تاريخ إسطنبول.

تقع البوابة الذهبية، التي تعرف أيضاً باسم “ألطون قابي”، في الطرف الجنوبي من الأسوار البرية التاريخية، بمنطقة “يدي كوله” في القسم الأوروبي من إسطنبول. وتحيط بها تحصينات تعود إلى عصور مختلفة من تاريخ المدينة. وتأتي هذه الحلقة السابعة من سلسلة تقارير الأناضول “أبواب تفتح على تاريخ المدينة” لتروي قصة هذا المعبر الذي جمع بين رمزية الانتصار الإمبراطوري ومتطلبات الدفاع، قبل أن يندمج في قلعة يدي كوله، أو ما يعرف بـ”الأبراج السبعة”.

مدخل الأباطرة ونقوش الانتصار

ارتبط ظهور البوابة الذهبية بتوسع إسطنبول في عهد الإمبراطور البيزنطي ثيودوسيوس، عندما شُيدت الأسوار البرية. وتعرف باللاتينية باسم “بورتا أوريا”، أي البوابة الذهبية، بينما أطلقت عليها المصادر العثمانية اسم “ألطون قابي”. وتتميز البوابة بضخامة تصميمها وواجهتها المكسوة بالرخام الأبيض والزخارف المذهبة، التي كانت تعكس هيبة الإمبراطورية. ولم تكن التسمية تعني أن البوابة مغطاة بالذهب فعلياً، بل ارتبطت بالحروف والزخارف الذهبية التي زينت نقوشها، والتي لم تصل إلى العصر الحديث بحالتها الأصلية.

وكانت البوابة تقع على طريق احتفالي يعرف باسم “طريق النصر”، تسلكه مواكب الأباطرة والجيوش عند دخول العاصمة أو مغادرتها، ليتحول العائدون من الحرب إلى استعراض علني للقوة العسكرية والسلطة السياسية.

وأوضح الأكاديمي ومؤرخ الفن التركي ياسين صايغلي، في حديث للأناضول، أن البوابة القائمة اليوم ليست أول بوابة تحمل هذا الاسم في تاريخ إسطنبول. وأشار إلى أن الأسوار الأولى، التي شيدت في عهد الإمبراطور قسطنطين، كانت تقع داخل حدود المدينة اللاحقة، قبل بناء الأسوار المحيطة بمنطقة الفاتح التاريخية في عهد ثيودوسيوس، واتخاذ البوابة الذهبية موقعها ضمن التحصينات الجديدة.

وتابع صايغلي أن البوابة كانت تضم مدخلاً رئيسياً يبلغ عرضه، وفق تقديره، نحو 30 متراً، وإلى جانبيه مدخلين أصغر، عرض كل منهما نحو 9 إلى 10 أمتار، فيما عُرف معبر أمامها باسم “كوجك ألطون قابي”، أي بوابة الذهب الصغيرة. وشبه صايغلي البوابة بأقواس النصر التي مرت عبرها الفيالق الرومانية في روما، موضحاً أن الجيش كان يعبرها برفقة الإمبراطور عند العودة من الحرب أو التوجه إليها، إلى جانب استخدامها لأغراض دفاعية.

انتصار بطابع ديني

ومن الوقائع التي تكشف دلالات البوابة، دخول الإمبراطور البيزنطي ميخائيل الثامن باليولوج المدينة عام 1261، بعد استعادتها من الإمبراطورية اللاتينية التي سيطرت عليها منذ الحملة الصليبية الرابعة. وبحسب صايغلي، لم يدخل الإمبراطور عبر البوابة الذهبية في عربة احتفالية، بل سار على قدميه مصحوباً بأيقونة “مريم هوديغيتريا”، ذات المكانة البارزة في التقليد البيزنطي. ورأى صايغلي أن المشهد حمل رسالة رمزية، إذ ظهر الإمبراطور أكثر تواضعاً، وأبرز الطابع الديني للانتصار، بدلاً من الاكتفاء باستعراض القوة العسكرية. وبذلك، كانت البوابة مساحة تتداخل فيها الرموز الدينية والسياسية للتعبير عن شرعية الحكم واستعادة العاصمة، إلى جانب وظيفتها كمسرح للمواكب العسكرية.

تضاؤل الدور الاحتفالي وتحول إلى حصن

ومع تراجع القوة العسكرية والسياسية للإمبراطورية البيزنطية، تغيرت وظيفة البوابة وانعكس التحول على عمارتها. وأوضح صايغلي أن البوابة ذات المداخل الواسعة تقلصت على مراحل، حتى تحولت بحلول أواخر القرن الرابع عشر إلى معبر أصغر، بوظيفة احتفالية محدودة، قبل أن يغلب عليها الاستخدام الدفاعي. وعند فتح العثمانيين لإسطنبول عام 1453، كان جزء كبير منها قد أُغلق بالحجارة. ومع تغير احتياجات المدينة العسكرية، تراجعت الحاجة إلى مدخل احتفالي واسع، وأصبحت الممرات الأضيق أكثر ملاءمة للدفاع. وقال صايغلي إن التحول يعكس تغير مكانة البوابة، التي أصبحت نقطة دفاعية محدودة بعدما فقدت الإمبراطورية جانباً كبيراً من قوتها.

الأبراج السبعة ودمج البوابة في القلعة

وبعد الفتح، أضاف السلطان محمد الفاتح 3 أبراج إلى الأبراج البيزنطية الأربعة القائمة في المنطقة، فتشكلت قلعة “يدي كوله”. ومع إنشاء القلعة، أُغلقت البوابة الذهبية بالكامل وفقدت وظيفتها كمدخل للمدينة، لتصبح جزءاً من منظومة التحصينات الجديدة. واستُخدمت القلعة في العهد العثماني حصناً وسجناً ومكاناً لحفظ الخزانة في فترات مختلفة. وارتبطت بأحداث سياسية، بينها إعدام الصدر الأعظم جاندارلي خليل باشا في عهد محمد الفاتح، واحتجاز السلطان عثمان الثاني، المعروف باسم “عثمان الشاب”، قبل مقتله عام 1622.

وأشار صايغلي إلى إمكانية مشاهدة مسجد القلعة، الذي أُنشئ في عهد الفتح، والذي تعمل بلدية الفاتح على ترميمه. وتتميز واجهة البوابة الذهبية الخارجية بالرخام الأبيض والأحجار المقطوعة، ما يمنحها مظهراً ضخماً يختلف عن أجزاء أخرى من الأسوار. وأوضح صايغلي أن رخام الواجهة جُلب من جزر بحر مرمرة، مشيراً إلى إمكانية مقارنته بالكسوات الرخامية التي ظهرت لاحقاً في المساجد السلطانية العثمانية. وجمع تصميم البوابة بين صلابة التحصينات والفخامة المعمارية لتكون مدخلاً إمبراطورياً مهيباً. ورغم إغلاق ممراتها واندماجها في القلعة، بقيت بنيتها شاهدة على زمن كانت فيه أحد أبرز مداخل الإمبراطورية البيزنطية.

وهكذا، تختصر البوابة في حجارتها تحولات المدينة؛ من عاصمة تستقبل جيوشها المنتصرة بمواكب الأباطرة، إلى إسطنبول العثمانية التي أعادت توظيف المعبر ضمن قلعة دفاعية، فيما ظل الرخام الأبيض يحمل أثر هيبته القديمة.